في البداية لم يكن هنالك إدراك لدى الأغلبية العظمى، سواء في الحكومة أو الشارع، لحجم الاحتجاج ومداه وطبيعته، لكن مع نجاح الإضراب الأول، وتزايد حجم المعتصمين والمحتجين في المحافظات المختلفة، وتقديم المسؤولين تنازلات متعددة، كل ذلك حمّس الشباب لتحقيق نتائج أكبر، وتغييرات أعمق ونوعية.
 
لو جاء د. الرزاز في وقت آخر لربما اعتُبر ذلك انتصارا للتيار الديمقراطي- الإصلاحي، لكن التوقيت وضعه في أزمة قبل أن يبدأ، وتحوّلت نسبة من الشعارات ضده، وهو آخر ما كنتُ أن أتخيل رؤيته بأن يُهتف ضد الرجل في الشارع، لكن السبب الجوهري ليست شخصيته، وإنّما أنّنا ندفع كلفة باهظة في هذه اللحظة الحرجة والمنعطف الخطير لترسّبات كبيرة من فجوة الثقة والمصداقية بين الشارع والحكومات، فلا يوجد هنالك لدى الجيل الشاب أي تصديق لما يصدر عن المسؤولين وعن نواياهم!
كنتُ أودّ أن نتجنب اليوم التلاوم والحديث عن المرحلة السابقة؟ لكن من الضروري ألا تمرّ الأمور دون أن نذكّر بما كنا نتحدث به كثيراً من خطورة الانهيار في مصداقية الطبقة السياسية، وشعبية الحكومات والثقة فيها، وهو ما تبدى في استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية الأخير عن حكومة الملقي، الذي كان من المفترض أن يقرع أجراس الإنذار، لكن الاستخفاف به كان عنوان الموقف الرسمي!
 
حتى نتجاوز هذه اللحظة ونفكّر في المستقبل وفي كيفية مواجهة التحديات الصعبة فمن الضروري أن نبتعد فوراً عن "حافة الهاوية"، ما يستدعي أن يخرج المسؤولون من منطق الحوار مع أنفسهم إلى الحوار الحقيقي مع الشارع، وإرسال رسائل نوايا حسنة، بخاصة ما يتعلق بالإصلاحات وبقانون الدخل، تؤكّد على أنّنا على أبواب مرحلة جديدة بالأدلة والبراهين، وستكون تشكيلة الحكومة مؤشراً مهماً جداً وحاسماً.
 
ومن الضروري أيضاً الحفاظ على سلمية المشهد وحضاريته لأنّه بحدّ ذاته ضمانة من الانجراف إلى ما هو أسوأ، على التيار العام من المحتجين أن يمنع سلوكيات سيئة ومستفزة، وعلى المسؤولين في المقابل إبعاد "الرؤوس الحامية" عن اتخاذ قرارات وممارسة سلوكيات قد تخرّب كثيراً مما بني في المرحلة الماضية، والأهم تجنب الاصطدام في الاعتصامات السلمية والابتعاد عن استخدام القوة.
 
النسبة الكبيرة من المحتجين هم من أبناء الوطن وتحديداً من جيل الشباب المثقف الذي يتعطش للتغيير والإصلاح الحقيقي، والمطلوب في هذه اللحظة كسبهم وليس خسارتهم، التجسير معهم وليس الهجوم عليهم، كيف يمكن ذلك هذا هو التحدي الكبير، وهو الذي من الضروري الإسراع فيه من قبل الرئيس الجديد، وعامل الوقت مهم للغاية، وعدم إدراكه يجذّر المشكلة كما حدث في الفترة الماضية.