في تفسيـر موجة الحـر.. بقلم .. فارس الحباشنة

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2017-08-09
2160
في تفسيـر موجة الحـر.. بقلم .. فارس الحباشنة

 قبل أيام ظهر شيخ على شاشة عربية يقول أن «موجة الحر الشديد « هي انتقام الهي من البشر، الشيخ الذي تهدج صوته استند في حديثه على روايات عديدة، يؤكد بها أن ما يجري هو انتقام الهي، ويذهب الى أننا بانتظار القيامة الكبرى وان هذه من العلامات الصغرى.
هذا الخطاب ليس جديدا على الدعاة العرب، ولطالما اغرقت الفضائيات العربية جمهورها بوحل من حكايا المشايخ عن الغيب والنبؤات والاسترسال في التفسير الاسطوري والخرافي والغرائبي لما يجري على الواقع وللطبيعة والتاريخ، وعلى مرمى من اعين ومسامع اهل العلم والرأي والحكمة.
كلام الشيخ ليس بالجديد ولا الغريب، فكنا دوما على حواف الانهيارات الكبرى التي تضرب بالامة العربية والاسلامية نسمع احاديث ضاربة بالجنون الخرافي في تفسير ما يجري وما قد يقع مستقبلا، أو لا تذكرون ما راج في العالم العربي أبان حرب الخليج الثانية عن رؤية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في القمر.
و للعلم، فان أكثر الكتب رواجا في السوق العربية ما تحمل عناوين عن المهدي المنتظر والاعور الدجال والقيامات المنتظرة وغيرها. حكايات لفتاوي تلقى رواجا سريعا، وفي فترة قياسية تضرب في الاسواق وتتحول الى حديث عارم للمواطنين، ولربما أنها تجلب للعقول الرخوة والضعيفة نوعا من الامان والاطمئنان.
الناس تتفرج على هكذا حكايا، وتنهال على المتابعة، فلا شيء امامها سوى الفرجة، ولربما أنه قد يسد عجزا نفسيا حتى لا تصدق ما يحدث حقيقة على الارض. هي مسحة من بركات الشيوخ يعاد انتاج صيغها كلما دب خراب وازمة فاضحة على الامة العربية والاسلامية، فالحديث عن الغضب الالهي في تفسير موجة الحر، يوازيه ذلك العجز في مقاومة ما يجري في القدس.
ولربما هو دواء لعجز جماعي، علاج العجز بالمعجزة، هذا ما تظهر به حكايات كثيرة تلف خيال المجتمع، ومع انتشار الميديا الحديثة فانها تسمح الى أن تتحول تلك الحكايات الى اساطير تؤسس وتغلف وعي الجماهير وتبعث طمأنينة من السماء.
هو منطق خرافي سائد يسيطر على المجال العام، ولا يترك فرصة أمام الجماهير المكسورة والمنكوسة الا بالهروب اليه، سواء في حروب مصيرية كبرى رسمت واقعا من النكسة والانكسار العربي، وما ولد من خرائط لـ «جيو سياسي» جديد في المنطقة، أم في تفسير ظواهر طبيعية.
هي عودة الى الماضي، وتغليف «التاريخ « الزمن في حركة دائرية، وكما يقول الشيخ فان امما سالفة كانت قد عصت ربها، وقد طالها ما طالها من غضبه، ولربما هذه المفاهيم تلعب دورا خطيرا في التأثير على عقول وامزجة الناس، تخدرها وتعطل تفكيرها، وتدخلها في مربع السكون خارج حركة التاريخ التقدمية.
هذا الخطاب الديني انتعش على مدى عقود طويلة وما زال، وهي مدرسة امتدت من منابر الخطب والكاسيت الى حقول السياسة، وانتعشت بشكل أقوى بخطابات سيد قطب واسامة بن لادن وايمن الظواهري، اولئك من يعتقدون بانهم يخوضون حروبا باسم الله على الارض، وهم يمثلون وجها من وجوه الانتماء الى ماض بائد ردا على طغيان للاخر سياسيا وعسكريا واقتصاديا وفشل السياسي العربي في بناء دولة وطنية حديثة.
العودة الى الوراء لا تتمثل في الدين فحسب، فهناك حركة عامة من العودة المنظمة الى الوراء وعلى أشكال متعددة :القبيلة والعشيرة والعائلة والجهوية والمناطقية وغيرها من الولاءات المتفرعة عن عجز وفشل الدولة والنظام العام في رسم وتشكيل صورة كلية لوعي جديد جامع.
فصور الانكسارات لا تحاصر العجز السياسي فحسب، انما تمتد الى انكسار اجتماعي واقتصادي وثقافي وتعليمي، فشل واخفاق في الاندماج والسير في ركب الحداثة والعالم الجديد، وإن كنا غارقين في ادواتها من وسائل للاتصالات وغيرها، ولربما أن هذا السؤال أكثر ما قد واجه العقل العربي عند ولادة تنظيم داعش الارهابي، وكيف خرجت علينا جيوش من كهوف الماضي تحرق وتدمر وتفسد حياتنا، جماعات آكلي الاوطان وحارقيها.
وليس من المفارقة، اذن تفسير «موجة الحر» بانها غضب الهي، هكذا خطاب يعود بالعقل للاقتراب من نقطة الصفر والاقتراب دائما من النهايات، وعلى اعتبار أن العالم قد وصل الى النهايات والخواتم، وما من تفسير يمكن أن يواجه مدى تأثير هذا الخطاب على عقول جماهير تشعر بالعجز والفشل والاستكانة من كل شيء.

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.