رجا طلب
لم يكن الرقم الذي سجلته منصة «أسواق التنبؤ» الأميركية المسماة «كالشي» مؤخرًا بشأن احتمالات عزل دونالد ترمب مجرد مؤشر عابر في بورصة تجمع رجال السياسة والمال وتدرس توجهاتهم، بل يعكس حالة أعمق من القلق داخل النخبة الأميركية تجاه مسار القيادة الحالية في الولايات المتحدة، خصوصًا في ظل التداخل الخطير بين قرارات الحرب، والتخبط في التصريحات، وتأثير الحلفاء الخارجيين على صناعة القرار في واشنطن.
ما يلفت النظر في تجربة ترمب الأخيرة ليس فقط ميله إلى التصعيد، بل الطريقة التي يُدار بها هذا التصعيد؛ فالرئيس الأميركي لا يتحدث بلغة استراتيجية تقليدية، بل بلغة انفعالية متقلبة، تتراوح بين التهديد المطلق والتراجع الضمني، وبين إعلان القوة والرغبة في الهيمنة. وهذا النمط من السلوك أعاد فتح نقاش قديم في الولايات المتحدة حول الأهلية النفسية والسياسية للرئيس لإدارة أزمات كبرى، خاصة عندما يتعلق الأمر بحرب إقليمية معقدة مثل الحرب مع إيران، حيث برزت اتهامات من داخل مجتمع النخبة الأميركي تُشكك بأهلية الرئيس ترمب لقيادة الولايات المتحدة.
ومن أبرز هذه الشخصيات نائب الرئيس السابقة كامالا هاريس، التي ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ أشارت إلى أن قرار الحرب لم يكن معزولًا عن تأثيرات خارجية، وبالتحديد عن رؤية رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، حيث قالت: «إن ترمب تم جره إلى الحرب مع إيران بواسطة نتنياهو». وهذه الإشارة، حتى لو بقيت في إطار التقدير السياسي، تفتح بابًا حساسًا في النظام الأميركي: هل يمكن أن يكون قرار الحرب قد تأثر باعتبارات غير أميركية خالصة؟ وهنا، فإننا لا نتحدث فقط عن خطأ سياسي، بل عن مدخل دستوري محتمل للمساءلة.
الحرب، كما هو معروف في التاريخ الأميركي، ليست مجرد قرار عسكري، بل اختبار شامل للاقتصاد؛ فالمؤشرات الأولية لأي صراع مع إيران، خاصة إذا طال أمده أو توسع جغرافيًا، تنذر بارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، وزيادة العجز المالي نتيجة الإنفاق العسكري. والاقتصاد الأميركي، رغم قوته، يبقى حساسًا تجاه الصدمات الكبرى، وأي تراجع في الأداء الاقتصادي يتحول سريعًا إلى أزمة سياسية داخلية، خصوصًا في بيئة انتخابية منقسمة.
وهنا تبرز المفارقة… فالرئيس الذي يقدم نفسه باعتباره رجل الاقتصاد والأعمال قد يجد نفسه محاصرًا بنتائج حرب تُضعف السوق وتضغط على المواطن الأميركي، وهو ما يخلق أرضية خصبة لخصومه السياسيين لإعادة طرح ملف العزل.
دستوريًا، آلية العزل في الولايات المتحدة واضحة لكنها معقدة سياسيًا؛ إذ تبدأ العملية في مجلس النواب، حيث يكفي الحصول على أغلبية بسيطة لتمرير مواد العزل، وهي في جوهرها اتهامات رسمية للرئيس بارتكاب «جرائم وجنح كبرى». وهذه العبارة الفضفاضة تمنح الكونغرس مساحة واسعة للتفسير، وتشمل إساءة استخدام السلطة، أو تضليل الرأي العام، أو اتخاذ قرارات مصيرية دون سند قانوني واضح.
وإذا افترضنا سيناريو تصاعد الأزمة مع إيران، وهو وارد جدًا، وتزايد الانتقادات لأسلوب إدارة الحرب، فإن مجلس النواب — في حال سيطرة الديمقراطيين عليه — قد يجد مبررًا سياسيًا ودستوريًا لفتح تحقيقات واسعة، تبدأ من خلفيات قرار الحرب ولا تنتهي عند تأثيرات الضغط الخارجي المحتمل.
لكن العزل، كما أثبتت التجربة مع ترمب نفسه، لا يعني الإطاحة بالرئيس؛ فالمحطة الحاسمة هي مجلس الشيوخ، حيث يتطلب الأمر أغلبية الثلثين للإدانة وعزله من المنصب. وهذا الشرط يجعل من العزل عملية سياسية بامتياز، تتوقف على موازين القوى الحزبية أكثر مما تتوقف على الوقائع وحدها.
السيناريو الأكثر واقعية، في ضوء المعطيات الحالية، هو تكرار نموذج «العزل دون الإدانة»؛ أي أن يُستخدم العزل كأداة ضغط سياسي وإدانة معنوية، دون أن يصل إلى حد الإطاحة بالرئيس. لكن حتى هذا السيناريو يحمل كلفة كبيرة، إذ يُضعف موقع الرئيس داخليًا، ويهز صورة الولايات المتحدة خارجيًا، خصوصًا في لحظة نزاع دولي حساس.
في المحصلة، لا يمكن فصل الحديث عن احتمالات عزل ترمب عن السياق الأوسع الذي يحيط بسلوكه السياسي؛ فالتخبط في التصريحات، والتأثر بحلفاء خارجيين، والانخراط في حرب ذات كلفة عالية، كلها عناصر تتقاطع لتشكل بيئة مثالية لطرح سؤال العزل من جديد. غير أن هذا السؤال، في النهاية، لن يُحسم في الأسواق أو الإعلام، بل داخل أروقة الكونغرس، حيث تختلط النصوص الدستورية بحسابات القوة والنفوذ.
النقطة الأهم في النظام الأميركي هي أن الرئيس قد يكون الأقوى ظاهريًا، لكنه يبقى محاطًا بشبكة معقدة من الضوابط الدستورية والقانونية. وفي حالة كحالة الرئيس ترمب، وعند بدء المساءلة، سيتحول إلى ما يُصطلح عليه أميركيًا «بطة عرجاء»، خاصة إذا خسر الجمهوريون الانتخابات النصفية المقبلة.
قناة الغد

