في كلِّ صيف، يطلّ علينا شعار "صيف آمن" الذي تطلقه مديرية الأمن العام، في إطار استنفارٍ كاملٍ وتسخيرٍ لكلّ الإمكانات لتحقيقه. وهنا أودّ أن أتوقّف لأقول لعطوفة الباشا إنّ المشكلة ليست في الفصل ذاته، بل في سلوكنا نحن المتنزّهين. فالصيف لا يحتاج إلى صفة الأمان بقدر ما تحتاج عقولٌ تتعامل مع الطبيعة بلا مبالاة إلى إعادة ضبط. والحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أنّ الخلل ليس في الزمن، بل في الإنسان. وقال الشافعي يوما: "نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا .. وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا". وأؤكّد لعطوفتكم أنّ جهودكم الاستباقية تمثّل السلوك الواعي والمسؤول، وتعكس حرصاً حقيقياً على السلامة، وذلك بفضل إدارتكم وعزم رجال الأمن العام في مختلف قطاعاتهم.

نعم؛ لقد أنعم الله علينا بمواسم خير، بأمطار تُحيي الأرض، وربيع يكسو الجبال خضرة تسرّ الناظرين. هذه النعمة لم تأت عبثا، ولم تُمنح لنا لنقابلها بالجحود وسوء التصرف. حين تتحول الرحلات إلى أكوام من النفايات، وحين تُترك النيران مشتعلة في الأعشاب الجافة، فإننا لا نرتكب خطأً عابراً، بل نعلن استهتاراً صريحاً بنعمة تستحق الشكر لله والحماية من سلوكنا.عطوفة الباشا، لم تتأخر جهود مديرية الأمن العام ووزارة الزراعة ووزارة البيئة يوماً. حملات التوعية، الدوريات، التحذيرات، وخطط الاستجابة السريعة، كلها تسبق الكارثة بخطوة. وهنا، لا بد من كلمة حق: كل الشكر والتقدير لهم ولرجال الأمن العام، بكافة قطاعاته، وعلى رأسهم رجال الدفاع المدني على جهودٍ لا تتوقف، ويقظةٍ تسبق الخطر، وعملٍ ميداني لا يعرف التراجع. هم خط الدفاع الأول، وحماة الأرواح والممتلكات، يسهرون لننعم نحن والطبيعة بالأمان. نسأل الله أن يبارك في هذه الجهود، وأن يرزقنا في المقابل عقولاً واعية، وسلوكاً مسؤولاً، يسبق الاستهتار البشري ويوازي هذا العطاء.لكن، ما جدوى كل هذا إذا بقيت السلوكيات الفردية على حالها؟ ما قيمة القوانين إن لم تُترجم إلى وعي؟ وما فائدة التحذير إن لم يجد آذانا تصغي وعقولاً تعي؟ كم من مرة اشتعلت حرائق بسبب سيجارة أُلقيت بلا مبالاة، أو جمر تُرك خلف نزهة عابرة! وكم من مرة امتلأت الغابات بأكياس النفايات، وكأن الطبيعة مكبّ مفتوح!

بل إن بعض السلوكيات التي يظنها أصحابها "حضارية” لا تقل سوءاً، كمن يجمع نفاياته في كيس ويعلّقه على جذع شجرة. هذا لا يُعد خدمة، بل تشويهاً جديدا، وسلوكاً مرفوضاً يُضيف عبئاً بدل أن يرفع ضرراً.إن حماية البيئة المحيطة بنا من الحرائق وغيرها ليست خياراً ترفيهياً، ولا واجباً موسمياً ايها المواطن، بل سلوك يومي يعكس مستوى الوعي والانتماء. الممتلكات العامة، الغابات، الحدائق، وحتى الطرقات، ليست مسؤولية جهة واحدة، ولا وزارة بعينها، بل مسؤولية مجتمع كامل. وإذا لم تتحول هذه القناعة إلى سلوك جاد، فإن كل الجهود الرسمية ستبقى منقوصة.ولا بد من قولها بوضوح: وان كانت العقوبة حاسمة، فإن الاستهتار للأسف يجد له مساحة عند كثيرين. وان كنا متأكدين ان المخالفات البيئية لا تساهل فيها، إلا اننا نواجه اشخاصا تفتح الباب لفقدان النعمة. نعم؛ ما نواجهه جحود في النعمة في كل سلوك خاطىء نحو الطبيعة، متناسين او ناكرين لحقيقة ان الطبيعة لا تعوّض بسهولة، وما يُحرق في لحظة قد يحتاج سنوات ليعود كما كان، إن عاد أصلاً.ما يزعجني ان البعض غضب يوماً من عناوين حملات وزارة البيئة، رغم أنها كانت اقرب لسمفونيات موسيقية في قوتها واهميتها لكل محب للطبيعة.

السؤال الحقيقي للجمهور اليوم: متى نشهد عقلاً وسلوكاً آمناً، لا صيفاً نضيف له صفة او شعاراً موسمياً؟ متى يصبح احترام الطبيعة جزءاً من هويتنا، لا مجرد استجابة لحملة أو خوف من مخالفة؟ متى نكون سندا حقيقيا لجهود الامن العام ووزارة البيئة في حماية الغابات والطبيعة؟إن الأمان الحقيقي بصيف خالي من الحرائق على الاقل لن تكفيه كل الجهود التي تبذل وترفع لها كل القبعات احتراما، ما دام لا يقابلها سلوك بالوعي من كل مواطن. وإذا لم نُدرك ذلك، فإننا لا نخسر مجرد موسم صيف، بل نخاطر بخسارة نعمة بأكملها.