فلحة بريزات
* التعديلات.. تصحيح مسار أم إعادة تدوير للأسماء؟
بمجرد أن يلوح في الأفق طيف تعديل وزاري، يشتعل الرأي العام، من الصالونات السياسية إلى الفضاء الرقمي. ويبدو أحيانا أن الحكومات تشكل عبر 'الترند' لا عبر تقييم الأداء والإنجاز.
ومع كل حديث عن تعديل مرتقب، تبدأ بورصة الأسماء بالتصاعد، وتتحول المنصات الرقمية إلى ساحة توقعات وتسريبات وترويج، فيما يغيب السؤال الأهم وسط كل هذا الضجيج: لماذا نعدل أصلا؟ وهل الهدف تصحيح المسار، أم امتصاص غضب الشارع، أم إعادة ترتيب توازنات ومصالح تفرضها الحسابات الضيقة؟
وما يزيد المشهد تعقيدا هو تحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ماكينات ترويج تضخ أسماء بعينها وتعيد تسويقها، وكأن معيار الكفاءة للموقع العام أصبح قوة الحضور الرقمي والعلاقة الشخصية لا القدرة على الإنجاز. وهنا يبرز الخلل الأعمق في غياب الرواية الإعلامية الرسمية، وترك الساحة لفوضى التسريبات والتكهنات؛ فحين يغيب الإعلام المهني القوي عن قيادة المشهد، تتقدم المنصات لتملأ الفراغ، فُتشكل الحكومات وتطيح الوزراء بعقلية 'التريند' لا بدقة المعلومة.
والسؤال: هل يكفي تسريب خبر على لسان صحفي هنا أو هناك ليكون بديلاً عن معالجة إعلامية رصينة ومؤسسية تليق بمؤسسات الدولة؟
إن تراجع الدور الرسمي خلف صخب السوشيال ميديا يعكس عجز إدارة إعلامية ما زالت تتعامل بمنطق السيطرة لا الشراكة، وبمنطق رد الفعل لا صناعة الرواية، مما جعل المشهد الإعلامي معكوكا، وبلا بوصلة وطنية .
إن حاجتنا اليوم لا تكمن في تعديلات تجميلية للواقع، بل في جراحة وطنية حقيقية تستأصل الترهل، وتضع الشخص المناسب في المكان المناسب بناء على معايير الإنجاز، بعيدا عن ضجيج الترويج الرقمي أو حسابات المحاصصة والترضيات. فالتعديل الوزاري يجب أن يكون أداة للمساءلة غايتها الحساب والعقاب ، بحيث يغادر من أخفق موقعه نهائيا دون إعادة تدويره في مواقع أخرى بناء على رغبات أو مراكز قوى، لضمان ألا تتحول الحقائب الوزارية إلى أدوات للمجاملة السياسية والشللية. فالتعديل لا يقاس بعدد الداخلين والخارجين، بل بقدرته على تغيير النهج وتحقيق نتائج يشعر بها المواطن في لقمة عيشه وجودة خدماته.
الأردنيون اليوم أصابهم اليأس فهم لا ينتظرون سوق التكهنات ولعبة الكراسي ، بقدر ما يتطلعون لنتائج تلامس حياتهم اليومية عبر خدمات أكفأ، وإدارة أكثر شفافية، وخطاب إعلامي يحترم وعيهم بدلا من تركهم أسرى للإشاعة. فخلاصة القول إن المعالاجات الحقيقية وفي كل المسارات، لا تبدأ بتغيير الأشخاص فحسب، بل بإرساء عقيدة عمل مؤسسي صلب تقوم على الكفاءة المطلقة والمساءلة المستمرة والقدرة الحقيقية على الإنجاز.

