عبدالنبي الشعلة

من أصعب ما تواجهه المجتمعات العربية الخليجية في هذه المرحلة المضطربة، ذلك الالتباس المتنامي، عند عدد قليل من الشيعة العرب الخليجيين، بين الانتماء المذهبي والانتماء السياسي، وبين العقيدة الدينية والولاء الوطني، خصوصًا بعد التطورات الخطيرة التي شهدتها المنطقة خلال 'حرب الأربعين يومًا' وما رافقها من اعتداءات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيّرة، من قبل النظام الإيراني، استهدفت مدنًا ومنشآت تنموية في دول الخليج العربية.

وعلى أثر الإعلان مؤخرًا، في عدد من الدول العربية الخليجية، عن اكتشاف خلايا وتنظيمات سرية، مرتبطة بأجهزة النظام الإيراني، ومكونة من عدد من المواطنيين الخليجيين المنتمين للمذهب الشيعي، فإن طرح هذا الموضوع، بصراحة وشجاعة وصدق، في هذه المرحلة بالذات، ليس ترفًا فكريًا، بل هو واجب مُلح تفرضه روح المسؤولية الوطنية، وتفرضه ضرورة المساهمة في نشر المزيد من الوعي لتثبيت روح الثقة والسكينة والاطمئنان في المجتمع، وهو واجب منطلقه الأساس الحرص على حماية النسيج الاجتماعي الخليجي من أخطر ما يمكن أن يهدده: تحويل الانتماء المذهبي إلى ولاء سياسي عابر للحدود، أو استخدام العقيدة الدينية كغطاء لمشاريع إقليمية تتجاوز الدولة الوطنية وتتناقض مع مصالح الأوطان واستقرارها.

ومن هنا تبرز أهمية التفريق الواضح بين التشيع بوصفه مذهبًا إسلاميًا عريقًا قائمًا على منظومة من القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية، وبين توظيفه سياسيًا وتحويله إلى أداة تعبئة ومشروع نفوذ وهيمنة. وقد ميّز عدد من المفكرين الشيعة، ومنهم المفكر الإيراني الدكتور علي شريعتي، بين التشيع بوصفه رسالة دينية وأخلاقية، وبين تحويله إلى مشروع سياسي سلطوي عابر للحدود.

ولعل هذه الإشكالية ليست جديدة تمامًا في التاريخ الإسلامي. فمع قيام الدولة الصفوية في بلاد فارس مطلع القرن السادس عشر، وتحديدًا منذ عام 1501م على يد الشاه إسماعيل الصفوي، انتقل التشيع في إيران إلى مرحلة جديدة اختلط فيها الديني بالسياسي، والمذهبي بالمشروع الإمبراطوري، في سياق الصراع المحتدم آنذاك بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية. ومنذ ذلك الحين، ظل سؤال العلاقة بين المذهب والسياسة، وبين الانتماء الديني والولاء للدولة، حاضرًا بدرجات متفاوتة في كثير من مناطق العالم الإسلامي بين بعض شرائح أتباع المذهبين السني والشيعي.

غير أن التشيع العربي، وخصوصًا في منطقة الخليج والجزيرة العربية، كان تاريخيًا مختلفًا في طبيعته وتكوينه الاجتماعي. فالشيعة العرب الخليجيون كانوا، ولا يزالون، جزءًا أصيلًا من تاريخ النسيج الوطني والاجتماعي لدولهم، ساهموا في التجارة والاقتصاد والتعليم والثقافة والعمل الوطني، وعاشوا ضمن مجتمعاتهم العربية الخليجية باعتبارهم مكوّنًا طبيعيًا من مكوناتها التاريخية والحضارية، ولم يكونوا يومًا جسمًا منفصلًا عنها أو مشروعًا موازيًا لها.

لكن التحولات الإقليمية التي أعقبت الثورة الإيرانية، وما صاحبها من خطاب سياسي ذي طابع عابر للحدود، ضمن نظرية 'ولاية الفقيه'، أدخلت المنطقة في مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث جرى في بعض الأحيان الخلط بين المرجعية الدينية والولاء السياسي، وبين التعاطف المذهبي والانحياز لمشاريع إقليمية لا تنظر إلى الدول الوطنية بوصفها الإطار النهائي للانتماء والولاء.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فمن حق أي مواطن أن يختلف سياسيًا، أو أن يحمل آراء متباينة في قضايا الداخل والخارج، لكن لا يمكن لأي دولة في العالم أن تتهاون مع تبرير الاعتداء الخارجي على أراضيها أو التعاطف مع من يستهدف أمنها واستقرارها. فحين تتعرض الأوطان للهجوم، يصبح الولاء الوطني مسألة تتجاوز الحسابات السياسية والمذهبية، وتتحول إلى خط الدفاع الأول عن بقاء الدولة والمجتمع معًا.

ولذلك، فإن من الطبيعي أن تصبح الدول أكثر حساسية وتشددًا تجاه مسألة الولاء الوطني في أوقات الأزمات والحروب، لا سيما عندما تشعر بوجود تهديدات تمس أمنها القومي أو استقرارها الداخلي. وهذا ليس أمرًا خاصًا بدول الخليج وحدها، بل عرفته مختلف الدول، بما فيها الديمقراطيات الغربية الكبرى، خلال الحروب والصراعات الوجودية.

ومع ذلك، فإن من الضروري، بل ومن الواجب الأخلاقي والوطني، تجنب التعميم أو تحويل الخلاف السياسي إلى اتهام جماعي لطائفة بأكملها. فهناك فرق كبير بين الشيعة العرب الخليجيين كمواطنين مخلصين لأوطانهم ومتمسكين بهويتهم العربية الخليجية، وبين فئات محدودة قد تنخرط في تنظيمات أو ولاءات سياسية مرتبطة بالخارج أو تتعاطف مع مشاريع تتعارض مع مصالح أوطانها.

إن هذه اللحظة الصعبة قد تشكل فرصة تاريخية أمام الشيعة العرب الخليجيين لتأكيد وتجديد تمسكهم بعروبتهم وهويتهم الوطنية، ورفض أي محاولة لتحويلهم إلى أدوات في صراعات إقليمية لا تخدم استقرار مجتمعاتهم ولا مصالح دولهم. كما أنها فرصة للتأكيد، بكل وضوح، على أن الانتماء المذهبي لا يمكن أن يكون مبررًا لصمت البعض، وإن كانوا قلة، تجاه الاعتداء على الأوطان، أو للتردد في إدانة أي استهداف لأمن دول الخليج واستقرارها، أيًا كانت الجهة التي تقف خلفه.

إن قوة المجتمعات الخليجية لم تكن يومًا في تطابق مكوناتها، بل في قدرتها على التعايش داخل إطار وطني جامع يحفظ للجميع حقوقهم وكرامتهم وانتماءهم. وكلما ازداد تمسك المواطنين، سنة وشيعة، بعروبتهم وهويتهم الوطنية الجامعة، تراجعت قدرة المشاريع الخارجية على اختراق المجتمعات أو العبث بلحمتها ووحدتها الداخلية.

وفي عالم يموج بالصراعات والانقسامات والمشاريع المتنافسة، تبقى الدولة الوطنية، رغم كل ما يحيط بها من تحديات، هي المظلة الوحيدة القادرة على حماية الجميع دون تمييز. أما محاولة البعض لتحويل المذاهب إلى أدوات صراع سياسي، فلن يؤدي في النهاية إلا إلى تمزيق المجتمعات وإضعاف الأوطان، وهو أمر لا يملك الخليج العربي ترف الوقوع فيه، خصوصًا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه.

عمون