د. ذيب القراله

حتى لو أُعلن خلال الايام او الأسابيع المقبلة عن اتفاق أمريكي – إيراني على مذكرة التفاهم التي يجري التفاوض حولها، فإن ذلك لن يعني أن الحرب انتهت فعلاً، بل إن المنطقة ستكون أمام مرحلة مختلفة من الصراع، عنوانها “تجميد المواجهة” لا تسوية المشكلة.

فالمؤشرات السياسية والعسكرية المتراكمة منذ الحرب الأخيرة توحي بأن واشنطن وتل أبيب لم تحققا الأهداف التي دخلتا الحرب من أجلها، وأن ما جرى حتى الآن أقرب إلى إعادة تموضع استعداداً لجولة لاحقة، لا أحد يعرف متى تبدأ، لكن الجميع يتصرف وكأنها قادمة.

الولايات المتحدة تتحدث عن التفاوض، لكنها في الوقت نفسه تواصل التلويح بالعودة إلى الخيار العسكري إذا فشلت التفاهمات، وإسرائيل بدورها، لا تتصرف كدولة خرجت من حرب وأنهت التهديد الإيراني، بل كدولة تستعد لمرحلة أكثر تعقيداً، خصوصاً بعد تسلمها طائرات جديدة للتزود بالوقود جواً، بما يرفع قدرتها على تنفيذ عمليات بعيدة المدى ضد العمق الإيراني.

المشكلة الأساسية بالنسبة لواشنطن وتل أبيب، هي أن الحرب الأخيرة ألحقت أضراراً بإيران، لكنها لم تُنهِ قدرتها على المناورة أو إعادة بناء شبكاتها العسكرية والأمنية، كما أن طهران نفسها لا تبدو في موقع الطرف المستعد لتقديم تنازلات استراتيجية كبرى، بل تتعامل مع أي تفاهم محتمل باعتباره فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الداخل الإيراني والإقليمي.

ولهذا، فإن أي اتفاق أمريكي – إيراني مقبل سيكون على الأرجح محدوداً ومؤقتاً، يركز على خفض التوتر في الخليج، وضبط ملف التخصيب، وحماية الملاحة والطاقة، مقابل تخفيف بعض العقوبات أو الإفراج عن أموال مجمدة، أما الملفات الأخطر، مثل البرنامج الصاروخي الإيراني، وشبكات النفوذ الإقليمي، وسيطرة الحرس الثوري، فستبقى عملياً خارج أي تسوية نهائية.

في الواقع، يبدو أن الحرس الثوري الإيراني خرج من الحرب أكثر حضوراً داخل بنية القرار الإيراني، فبينما تعرضت مؤسسات أمنية وعسكرية ومدنية إيرانية لاختراقات واضحة خلال السنوات الماضية، لا تزال بنية الحرس الثوري أكثر تماسكا وغموضاً.

وربما لهذا السبب تحديداً تكثف الولايات المتحدة جهودها الاستخبارية للحصول على معلومات تتعلق بقياداته وشبكاته، في مؤشر على أن واشنطن لا تعتبر هذا الملف مغلقاً أو مفهوماً او مقبولاً بالكامل حتى الآن، وبما يوحي أيضاً بان حجم الاختراق الاستخباري الذي طال الحرس الثوري لم يكن بالمستوى المطلوب.

هذا التحول ستكون له انعكاسات مباشرة على المنطقة، فإذا جرى تجميد الحرب مع إيران، فإن ساحات النفوذ الإيرانية ستتحول تلقائياً إلى ميادين ضغط واستنزاف جديدة، فلبنان سيكون في مقدمة هذه الساحات، لأن إسرائيل تدرك أن أي مواجهة مستقبلية مع إيران لا يمكن فصلها عن حزب الله، الذي ما زال يمثل بالنسبة لتل أبيب الخطر الأكثر التصاقاً بأمنها المباشر.

ولهذا ستسعى إسرائيل خلال المرحلة المقبلة إلى منع الحزب من استعادة قدراته العسكرية واللوجستية، سواء عبر الضربات الأمنية المحدودة، أو عبر الضغط السياسي والاقتصادي، أو من خلال محاولة فرض ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب اللبناني تحت عنوان الاستقرار ومنع التصعيد.

أما العراق، فسيكون ساحة الاختبار الأكثر حساسية، فواشنطن تدرك أن النفوذ الإيراني هناك لا يعتمد فقط على العلاقات السياسية، بل على شبكة معقدة من الفصائل المسلحة والارتباطات الاقتصادية والأمنية.

لذلك فإن مرحلة ما بعد الاتفاق من المحتمل قد تشهد انتقالاً تدريجياً نحو سياسة أمريكية أكثر تشدداً تهدف إلى تقليص قدرة طهران على استخدام العراق كعمق استراتيجي وممر إقليمي.

وفي المقابل، لن تقف إيران مكتوفة اليدين، لأن خسارة النفوذ في العراق تعني عملياً خسارة أهم ساحة عربية ترتبط مباشرة بأمنها القومي وبخطوط نفوذها الممتدة نحو لبنان.

كل ذلك يعني أن المنطقة لا تتجه نحو حالة سلام شامل، بل نحو إعادة تموضع وجدولة وهندسة للصراع بأدوات مختلفة، فالحرب المباشرة قد تتوقف مؤقتاً، لكن الصراع سيستمر عبر الضغوط الأمنية، والحروب الاستخبارية، واستهداف الأذرع الإقليمية، وإعادة رسم التحالفات، مع تفعيل الحصار والعقوبات الاقتصادية.

والأهم أن جميع الأطراف باتت تتصرف على أساس أن المواجهة المقبلة ليست احتمالاً بعيداً، بل مرحلة مؤجلة فقط، يجري التحضير لها بهدوء، بانتظار اللحظة التي يعتقد فيها كل طرف أنه أصبح أكثر جاهزية لحسم ما لم تحققه الحرب الأخيرة.

theeb100@yahoo.com