بقلم المهندس نديم الفقهاء

يبدو أن جفاف الساحة السياسية، وعتمة غياب الأضواء عن بعض رجالات “الحرس القديم” دفع ببعضهم إلى البحث عن “التريند” وإثارة الجدل، حتى لو كان الثمن بيع الرواية التاريخية لـ الوطن في “سوق حراج” الفضائيات وبـ أبخس الأسعار.

آخر هذه الشطحات ما أتحفنا به معالي الدكتور جواد العناني، الذي قرر فجأة وفي تجل غريب يحسده عليه المراهقون أن يتقمص دور المؤرخ العسكري الفكاهي، ليبلغنا عبر الشاشات بنبرة الواثق، بأن خارطة الأردن لم تكن سوى زلة يد ورسمت بـ “جرة قلم من وزير بريطاني سكران”.

أهكذا تصبح الأوطان في نظر “جهابذة” الإدارة والتخطيط الاقتصادي والسياسي لدينا..!!؟ مجرد هندسة جغرافية ولدت بالصدفة في لحظة “ثمل” وذهاب عقل لـ “وينستون تشرشل” في خمارة في الحواري اللندنية..؟

الغريب في الأمر والمضحك المبكي في آن واحد، أن هذا الكلام الهزلي لا يخرج من مراهق يعبث على منصة “تيك توك” بحثا عن التفاعل، بل من رجل تنقل في مناصب الدولة كـ الذئب بين فرائسه؛ فمن رئاسة الديوان الملكي إلى وزارة الخارجية، مرارا وتكرارا، ونائب رئيس وزراء للشؤون الاقتصادية، وغيرها من الحقائب السيادية والدبلوماسية التي تثبت أن الدولة وثقت به يوما ما ليدير شؤونها ويمثل “روايتها الرسمية” أمام العالم.

فيا معالي الدكتور اسمح لي بـ السؤال، عندما كنت تجلس بكل هيبة وفخامة على مقعد رئيس الديوان الملكي العامر، هل كنت آنذاك تدير دولة “رسمها سكران”، أم كنت تستمتع بمزايا المنصب ومكتسباته دون أن يرف لك جفن؟ وهل اكتشفت “سكر” تشرشل فجأة بعد عقود طويلة من مغادرتك الكرسي والامتيازات، أم أن التاريخ والجغرافيا لا يحلو تزويرهما والمسخرة بهما إلا عند التقاعد والفراغ..!!؟

إذا كانت الدولة الأردنية قد أسست بناء على “مزاج خمارة لندنية” ويد تشرشل المهتزة بفعل الكحول، فكيف تفسر لنا وجودك أنت بكل هذا الوزن والنفوذ والفهلوة السياسية في صلب قراراتها لعقود؟ أم أن “الجاذبية” المغناطيسية لـ المناصب جعلتك تتغاضى عن هذا “التأسيس الكحولي” حتى حان وقت الإثارة التلفزيونية الرخيصة؟

التاريخ لا يكتب بنكت المضافات ولا بسواليف الحكواتية يا معالي الوزير الأسبق، فـ “الزاوية الحادة” الشهيرة في شرق الأردن، أو ما يعرف بـ”مثلث تشرشل” الذي تباريت في السخرية منه متبنيا أسطورة شعبية مستهلكة، كان ممرا بريا وجويا استراتيجيا يربط بغداد بعمان بالقدس، صاغته عقول استعمارية بريطانية خبيثة بدافع مصالح جيوسياسية وتأمين خطوط طاقة، ولكن واجهتها عقول أردنية مفاوضة واعية يقودها الأمير عبد الله الأول الذي انتزع اعترافا بكيان مستقل اسمه شرق الأردن في مؤتمر القاهرة عام 1921 وفصله تماماً عن وعود بلفور وصك الانتداب.

وأن تأتي اليوم لتختزل نضال الآباء المؤسسين، ودماء شهداء الجيش العربي، والاتفاقيات الدولية الشاقة، لتبيع للجمهور قصة مفبركة تزعم أن الحدود تحركت لأن يد تشرشل “اهتزت من السكر”، فهذه ليست زلة لسان عابرة، بل هي “بهدلة” حقيقية لمنطق رجل الدولة، وإهانة فجة لكل كتاب تاريخ يدرسه أبناؤنا في المدارس والجامعات.

الأردن الذي صمد في وجه كل عواصف الشرق الأوسط، وتجاوز مؤامرات الشطب والتقسيم والوطن البديل، أثبت للعالم أجمع أن حدوده مكتوبة بالدم والتضحيات والصبر الاستراتيجي لا بالحبر العشوائي الغائب عن الوعي.

ونصيحة أخيرة لمعالي الدكتور: التاريخ له رجاله الصادقون، والسياسة لها هيبتها ورزانتها، فإذا كان هناك من خانته جغرافيا الوعي ونطق بـ”هذينة” تاريخية لا تليق بإرثه الشخصي قبل إرث الدولة، فالأفضل له ولنا أن يستمتع بتقاعده الهادئ بعيدا عن الخوض في خرائط رسمتها دماء الشهداء وعمدتها تضحيات الأردنيين، والذين لم يكونوا يوما ولن يكونوا نتاج مصادفة أو سهرة عابرة في بارات ضباب ليفربول أو لندن.

عرب سكاي