فراس المجالي

الدنانير الثلاثون التي وعدت بها الحكومة في موازنتها القادمة ، تبدو كخطوة تحاول من خلالها استيعاب وضع اقتصادي يعاني من الجمود و من ظروف معيشية صعبة، ليس على أصحاب الرواتب المُبَـشَّـرةِ بالزيادة فحسب، بل على معظم أصحاب الرواتب الحكومية.

​لكن كثيرا من المراقبين يرون في هذه الزيادة إجراءً تسكينياً يتطلب في المقابل تحصيلاً أوسع للإيرادات ، فالقراءة الاقتصادية السائدة تشير إلى أن الزيادة التي تمنحها المالية العامة قد تُسترد عبر قنوات مالية أخرى، بينما تتولى آليات السوق تقليص الأثر الفعلي لهذه الزيادة لتبدو نتائجها محدودة.

​فلماذا تَعِد الحكومة بزيادة فئة كبيرة من رواتب الموظفين في هذا التوقيت، رغم أن اقتصاديات المنطقة تقف على صفيح ساخن بسبب تداعيات التوتر العسكري والسياسي الإقليمي؟

وهل تعكس هذه الخطوة قلقاً من ملفات اقتصادية أكثر تعقيداً؟

​إن ما تطرحه الحكومة من استهداف موجّه لدخول اكثر هشاشة لا يعدو كونه إعادةً لهيكلة الأعباء بصيغة أكثر ملاءمة، فهذه الدنانير الثلاثون قد تواجه قريباً كلفاً إضافية في فواتير الخدمات وفق التوجهات الماليّة المتوقعة، إذ غالباً ما تخضع توقيتات هذه الإعلانات إلى تقديرات السياسة المالية التي تحتفظ بجدولها الزمني، مما يقلل من فرص المكاشفة الاستباقية بتبعات القرار ودوافعه الهيكلية.

​وما تسعى إليه السياسة المالية ليس أمراً معزولاً، بل هو التزام تظهره وثائق صندوق النقد الدولي المنشورة على موقعه الرسمي.

فبرنامج الإصلاح الاقتصادي الأردني ينص صراحة على أن معالجة العجز المرتفع في قطاع الكهرباء ضرورة لا تقبل التأجيل لضمان استدامة المالية العامة.

​وإلى جانب الكهرباء، تعاني سلطة المياه الأردنية من فجوة تمويلية لا تغطيها التعرفة الحالية، في ظل تكاليف تشغيل متصاعدة وبنية تحتية متهالكة تحتاج ضخاً مالياً يمثل عبئاً على الخزينة، بالإضافة إلى كلف مشروع الناقل الوطني.

وقد أصبحت مراجعة تعرفة المياه خياراً تقترب منه السياسة المالية، وهو ما ظهر في تصريحات وزير المياه والري حين أشار إلى أن مديونية سلطة المياه سترتفع إلى خمسة عشر مليار دينار في حال استمرار الوضع المالي لقطاع المياه دون حلول جذرية.

​ولعل في بعض التجارب الحكومية لدول المنطقة نموذجاً مألوفاً لهذه السياسات كالمسار الذي اتبعته الحكومة المصرية ، حيث ارتبطت سبع زيادات للرواتب مع مراجعات مستمرة لأسعار الخدمات، مما أدى إلى تحويل جزء من تكلفة الدعم إلى كاهل الأجور، ثم استعادة هذه القيمة عبر الفواتير اللاحقة.

ويبدو أن التوجه المحلي يسير في ذات السياق ولكن بخطى أكثر تحفظاً وبفاصل زمني أوسع بين الإعلان عن الزيادة والتمهيد لما سيليها، لمنح فرصة لامتصاص الصدمة واستيعاب المتغيرات.

​إن توصيات صندوق النقد الدولي للدول العربية تنص على الحد من الإنفاق على الدعم غير الموجه والسيطرة على فاتورة أجور القطاع العام. ووفقاً لهذا المنطق، فإن أي زيادة في كتلة الأجور دون إجراء تعويضي في جانب الإيرادات أو النفقات الأخرى ستصطدم مع محددات برامج الدعم الدولية.

​أما الخيارات المتاحة في هذا السياق فهي إما برفع الإيرادات الضريبية، أو بتقليص الدعم على الطاقة والخدمات، أو بالاقتراض.

ولا بد لأي من هذه الخيارات الثلاثة في نهاية المطاف أن ينعكس على القوة الشرائية للمواطن، بمسارات مختلفة وفي توقيتات متفاوتة