حين اضطُرّ الشاب الخلوق "محمود" إلى شراء سنوات من الاستقرار المالي عبر دينٍ ثقيل، لم يكن يدرك أن سداد دينه لن يُدفع من كده وتعبه وحسب، بل من كبريائه الشخصي وحريته في التصرف.
لقد قبل محمود — في سياق أحداث المسلسل السوري "أيام شامية" — برَهنِ بضعِ شعيرات من شاربه في منديل التاجر الميسور "أبو عبدو"، ظناً منه أن المنديل الذي حُفظ فيه ذلك الرهن سيبقى مغلقاً في صندوق الأمانات.
لكن المفارقة الدرامية تجلت حين استدعاه دائنُه على عجل، ليتدخل في تفاصيل إنفاقه ويحذره من الإسراف والانفاق العشوائي حرصا على تأمين حقّهِ في استرداد ماله ؛ فانصاع محمود وامتثل تحت وطأة الحاجة والخوف على شرفه المرهون.
هذا المشهد الشامي العتيق ليس مجرد خط درامي مشوق، بل هو تجسيد بليغ لواقع اقتصادي وسياسي يتكرر بنسخٍ معولمةٍ عابرة للقارات.
فالكيانات الاقتصادية الكبرى والمؤسسات المانحة في العالم المعاصر لا تختلف في سلوكها الإجرائي كثيراً عن "أبو عبدو"؛ فهي تبحث حين تقرض الدول الفقيرة عن "ضمانات هيكلية" تمنحها حق الإشراف والرقابة اللصيقة على السياسات المالية.
وأذا نظرنا في حال الحكومات التي تسارع إلى توقيع صكوك القروض الدولية دون بناء قاعدة إنتاجية حقيقية، فهي لا ترهن مواردها وميزانياتها السنوية وحسب، بل تضع خياراتها الاستراتيجية وصناعة قرارها المستقل في "منديل" الدائن الدولي.
وعندما تقترب مواعيد مراجعة المؤشرات الاقتصادية، يظهر الدائن في صورة الحريص على الإصلاح، لكنه يحمل في يده دفتر شروط لئيم، فتضيق هوامش الحركة والمناورة لتلك الحكومات أمام إملاءات مانحيها، فتصبح مجبرة على انتهاج سياسات تقشفية قاسية، ورفع الأسعار، وزيادة الضرائب، وتقليص الإنفاق، لضمان قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الخارجية، عوضاً عن التفرغ لمتطلبات التنمية وتحقيق الوعود والأحلام.
إن حماية الهيبة السيادية للدول لا تتحقق بالخطابات، بل بامتلاك أدوات الإنتاج الحقيقي، وتعميق الاعتماد على الذات، وضبط النفقات والفساد الإداري بقرارات وطنية مستقلة، قبل أن يأتي الدائن لإجبارها بأسلوبه على فعل ذلك.
أما الشعوب المرهونُ مستقبلُها، فمن حقها أن تتساءل عن قرارات اتُّخِذت باسمها ، وأثّرَت على مصيرها، و حٌصِّـلَ ثمنُها من أرزاقها، ثم عادت وبِيعت إليها تحت مسمى "إنجازات"

