د. عزت جرادات

توطئة:
• أقدّم هذه الدراسة دحضاً للإفتراءات التي تضمنها تقرير (معهد IMPACT-se: رصد السلام والتسامح الثقافي) حول التعليم والكتب المدرسية الأردنية، والذي وصفته (معاريف) بـ (المقلق جداً!).

مقدمة:
• نشرت (معاريف) الصحيفة الإسرائيلية المعروفة بالوسطية السياسية، والأوسع إنتشاراً لدى مختلف الأطياف الإسرائيلية، نشرت مقتطفات من التقرير الذي صدر عن (معهد رصد السلام والتسامح الثقافي) - IMPACT-se - أيار - 2026 - حول: (المناهج والكتب المدرسية الأردنية) (2023- 2026 )

• بلغ عدد الكتب المدرسية التي راجعها المعهد المذكور ( 294 ) كتاباً مدرسياً، كتب: التربية الإسلامية واللغة العربية والعلوم الإجتماعية والتربية الوطنية والمدنية.

• تمّتِ المراجعة وفق معايير اليونسكو نحو السلام والتسامح في التربية (المعهد).

• إختارت الصحيفة المذكورة المقتطفات منْبًتّة عن متن النصوص في التقرير لتبرزها أنها تتعارض مع قيم التسامح والإعتدال، ومع التعايش الإسلامي - المسيحي ومبادئ (رسالة عمان) ومع إتفاقية السلام الأردنية - الإسرائيلية (1994)، وتحمل في جوهرها العداء لليهود.

• وللسامية ودولة إسرائيل وتتهم المناهج الأردنية بمجملها أنها تكرس العداء لإسرائيل.

• كان لابد لي من الرجوع الى النص الأصلي لذلك التقرير الذي يتكوّن من (133) صفحة باللغة الإنجليزية مع الملخص لذلك التقرير الذي أقدّم ترجمته، ليكون القارئ على معرفة بالمحتوى:

• الملخص:

• لم تنسجم المناهج الأردنية مع معايير اليونسكو في تعميق قيم السلام والتسامح في التربية.

• تعتبر المناهج الأردنية أن إسرائيل لا شرعية لها، وتصفُ الصهيونية بالعنصرية، وتتهم الإحتلال بممارسة التطهير العرقي، وأنها غير معنية بـ (الهولوكوست) وجرائم النازية، وأن إسرائيل تعتمد في وجودها على الأساطير مثل (أرض الميعاد).

• الكتب المدرسية الأردنية تستثني اليهود وإسرائيل في التعامل مع قيم الإعتدال والتسامح والسلام المنبثقة من الإسلام و (رسالة عمان)!

• المناهج والكتب المدرسية الأردنية تُمجّد روح الجهاد والإستشهاد والتضحية في حروب الأردن مع إسرائيل، وبخاصة في الشِّعْر العربي.

• تعتبر المناهج الأردنية أن مكانة المرأة ثانوية في منظومة القيم الأُسريّة والمجتمعية، كما نعتبر (المثلية الجنسية) من المحرمات، إذ إنها تهديد للبشرية ومستقبلها.

• تحترم المناهج الأردنية المسيحية والمسيحيين بإعتبار ذلك جزءاً من العقيدة الإسلامية من جهة، والمسيحيون جزءٌ لا يتجزأ من النسيج المجتمعي من جهة أخرى.

• تتجاهل المناهج والكتب المدرسية (الهولوكوست) وتعتبر الصهيونية نوعاً من أنوع العنصرية.

مقتطفات معاريف

أبرزت (معاريف) مقتطفات من التقرير اشتملت على الإفتراءات التالية:

• الكتب المدرسية الأردنية بمجملها تعادي السامية.

• الكتب المدرسية الأردنية تتهم اليهود بمعاداتهم للإسلام.

• الكتب المدرسية الأردنية تتهم اليهود بالإبتزاز الإقتصادي في المجتمعات.

• الكتب المدرسية الأردنية تتهم التاريخ اليهودي بأنه حافل بالخداع، ونقض العهود، (معركة الخندق مثالاً).

• الكتب المدرسية الأردنية تتجاهل إسرائيل في الخرائط الجغرافية بإعتبارها فاقدة للشرعية.

• المناهج الأردنية تُمجّد مفاهيم الجهاد والإستشهاد وتخليد الشهداء.

• المناهج الأردنية تُمجّد العنف والإبادة الجماعية والتضحيات في الحروب الأردنية الإسرائيلية وبخاصة في الشِّعر العربي والآداب العربية.

• إن التقرير (مُقلق للغاية).

التدليس :

• يُعرّف التدليس بأنه تعمُّد تزييف الحقائق وصياغة العبارات لتشويه الحقائق والخروج عن الموضوعية في الصياغة. وهذا أقلّ ما يمكن أن يُوصف به هذا التقرير وخاصة في مجال الإستنتاجات .

• وفي حالة هذا التقرير وما ورد فيه من إستنتاجات ، فإنه لا مناص من تفنيد أو دحض تلك الإفتراءات وفق المعايير التربوية أو المرتكزات الأساسية في التربية :

• تتفق معظم التشريعات التربوية عالمياً على أن المناهج الوطنية هي من أعمال السيادة الوطنية ، وأي تدخّل خارجي فيها يرقى الى حالة إعلان حرب ، على حدّ تعبير الرئيس الأمريكي ريغان في تقديمه للتقرير الشهير في ثمانينيات القرن الماضي - أمة في خطر.

• إن الفلسفة التربوية لكل مجتمع تُستمد من منظومة قيم المجتمع، عقائد ومثل عليا وتراث. وهذا ما يذهب اليه أستاذ فلسفة التربية في جامعة كولومبيا - فيليب فينيكس: التربية والصالح العام (Education and the common Good) بأن منظومة قيم المجتمعات الغربية مستمدة من اللاهوت والمعرفة الإنسانية والصالح العام للمجتمع، وهذا ينطبق على منظومات قيم مختلف المجتمعات في العالم.

• إن التقارير والتوصيات التي تصدر عن منظمة اليونسكو تكون بمثابة روافد فكرية للإسترشاد والإفادة وفق منظومة القيم المجتمعية ومصادر فلسفتها التربوية، وليست إلزامية واجبة التنفيذ والإملاء.

• تعمل الدول الأعضاء في المنظمة على ذلك النهج في برامجها في الإصلاح أو التطوير التربوي.

• وأخيراً، لابد من الإشارة أن إسرائيل لم تعد عضواً في اليونسكو منذ عام (2018)، وكانت ترفض جميع قراراتها التي تمس المصالح الإسرائيلية - على حد زعمها ذلك.

تفنيد التدليس:

1. إن ما يدعيه التقرير بأن الكتب المدرسية بمجملها تعادي السامية فهو زيف باطل، فالسامية بشكلها الحالي، والذي تتمسك به إسرائيل أيديولوجياً وعرقيًا إنما هي مفهوم جاء حديثاً على الشرق الأوسط (برنارد لويس ومارك كوهين) (المؤرخان اليهوديان)، فالسامية بهذا المفهوم ليست مسألة ذات إهتمام في المجتمعات العربية الإسلامية، ولا يجوز إعتمادها عنصراً من عناصر التقييم التربوي أو الثقافي العربي - الإسلامي.

2. إن معاداة اليهود للإسلام أمر عقدي تاريخي، ولا يجوز تجاهل الأحداث التاريخية، وكذلك تشير المصادر اليهودية إلى أحداث يهودية تاريخية أشد عداءً للبشرية.

3. إن الإبتزاز الإقتصادي الذي مارسه اليهود في المجتمعات الأوروبية هو الذي أدى إلى ما يُعرف بالمسألة اليهودية، حيث ضاقت بهم المجتمعات الأوروبية ذرعاً، وأصبح ذلك جزءاً من التاريخ.

وقد مارس اليهود ذلك تاريخياً في المجتمعات العربية الإسلامية، خداعاً ونقضاً للعهود.

• أما الزيف بأن المناهج والكتب المدرسية الأردنية تتجاهل إسرائيل في الخرائط الجغرافية فإن التساؤل الذي يفرض نفسه: أيّ إسرائيل؟ هل هي إسرائيل (1948) أم (1967) أم (1973) أم إسرائيل أحلام نتنياهو التي عرضها أمام دول العالم على منصة منظمة الأمم المتحدة!

فإسرائيل نفسها لم تذكر حدودها في أيّ من كتبها المدرسية الإسرائيلية.

• إن تمجيد الجهاد والإستشهاد والتضحيات في الشعر العربي لهو من رسالة الشعر والأدب لدى جميع الأمم والمجتمعات. أيجوز أن يُمجّد (بيريز ما غيره) -مقلاع داود- ( David Sling) في كتابه لتأسيس سلاح الجو الإسرائيلي الذي يحمل ذلك العنوان، ولا يجوز لغيره! إنها إذن لقسمة ظالمة.

• فلا غرو، أن تقلق صحيفة معاريف بل تمتلىء رعباً وخوفاً من نتاج المناهج والكتب المدرسية الأردنية.

• أما غياب (الهولوكوست) من الكتب المدرسية الأردنية فيرجع ذلك إلى (الهولوكوست) نفسه، فهو قضية يهودية - أوروبية غُرست في العقل الغربي إمتداداً للتخلص من (المسألة اليهودية) التي وُجدت في المجتمعات الأوروبية بشكل خاص، وهي ليست قضية عربية، ويُشار إليها كحدث تاريخي. وأشار إستطلاع لليونسكو عن مدى إهتمام المعلم الأوروبي بهذا الحدث في عدد من الدول، أشار إلى تدني نسبة الإهتمام بالموضوع الى حد التلاشي، فقد سئم المجتمع الأوروبي تحديداً ذلك الموضوع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فأن المناهج والكتب المدرسية الإسرائيلية تتجاهل (النكبة 1948) التي لا تقل بشاعة عن (الهولوكوست).

• وأما دفاع التقرير المذكور عن (المثلية) وتجاهلها في المناهج والكتب المدرسية الأردنية، فإن ذلك ينسجم مع الفلسفة التربوية الأردنية التي ترى في هذا السلوك الشاذ إهانة للكرامة الإنسانية وضرباً من ضروب الإفساد في المجتمع، وخروجاً على منظومة القيم الدينية والمجتمعية للمجتمع الأردني. ولا يُضير البشرية بملياراتها شذوذ مليون من سكان المعمورة، يقبلون بانتهاك الكرامة الإنسانية التي منحها الله سبحانه لبني آدم كافة (ولقد كرمنا بني آدم).

مقتطفات من المناهج والكتب المدرسية الإسرائيلية:

• بعد هذا العرض للتقرير ومناقشته، قد يكون من المناسب إستكمال الصورة بتقديم بعض النماذج من المناهج والكتب الإسرائيلية، وقد إعتمدت في ذلك على دراسة تحليلية أعدّها (قسم الدراسات الإسرائيلية لدى مديرية المناهج والكتب المدرسية لوزارة التربية والتعليم الأردنية سابقاً):

• في كتاب (رحلة الى الماضي - للصف السابع الإبتدائي) تكريس للنظرة الدونية لكل ما هو غير يهودي من خلال تفسير مصطلح (شعب الله المختار)، فثَمّة إساءة واضحة لمكانة السيد المسيح عليه السلام بتسميته - يسو - أي السيئ، ووصف صريح للهجرة النبوية للرسول محمد - عليه صلاة الله وسلامه بمصطلح بعنوان (هروب محمد) والإساءة لما يعبر عنه هذا العنوان السيئ.

• كانت إمارة شرق الأردن في بداية تأسيسها جزءاً من - أرض إسرائيل - وقد تمّ سلخها من نظام الوطن القومي اليهودي ليصبح نهر الأردن فاصلاً بين أرض إسرائيل الغربية وأرض إسرائيل الشرقية.

• جاء ذلك في كتاب: تحوّلات في جغرافية الشرق الأوسط - للمدارس الثانوية، ويعود إصداره لعام (1995) - أي بعد إتفاقية السلام الأردنية - الإسرائيلية التي يزعم التقرير الدفاع عنها.

• إلغاء إسم - فلسطين التاريخي - وإستخدام إسم - أرض إسرائيل - وهذا تدليس للحقائق التاريخية، كما يصف العربي بالإرهاب واللصوصية وقطع الطريق وإشعال الحرائق من خلال العنف الدموي في النزاع العربي - اليهودي في جميع مراحله قبل الاستقلال (كتاب: المواطن: فصول من تاريخ الإستيطان اليهودي في أرض إسرائيل - للمرحلة التعليمية المتوسطة).

• أما الإحتلال الإسرائيلي فيصفه المرجع السابق نفسه بأنه (نعمة لا نقمة)! أدى إلى إزدهار الزراعة في الأراضي المحتلة! متجاهلاً قطع الأشجار وإحراق المزروعات التي تمارسها قطعان المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

الخلاصة:

• كثيرة هي الإتهامات الإسرائيلية للمناهج التربوية العربية، وبخاصة الأردنية، وتدّعي بالزيف الباطل بمعاداة السامية، وعدم الإكتراث (بالهولوكوست)، ولكنها تتجاهل في الكتب المدرسية الإسرائيلية (النكبة - 1948)، بل تمنع المدارس العربية بإستذكارها بإعتبارها من أيام الإستقلال والنصر لإسرائيل.

• إن إهتمام المؤسسات الأكاديمية ومراكز البحوث الإستراتيجية في العالم العربي يكاد يكون ضعيفاً أو خجولاً، مع أنه عنصر هام من عناصر المعركة الطويلة للنزاع العربي الإسرائيلي.

• إن المؤسسات ومراكز البحوث ذات الطابع العربي تتحمل وزر قصورها في هذا المجال. ذلك أن توعية الأجيال العربية، وأجيال (Z) عالمياً بالسياسة التعليمية الإسرائيلية وكتبها المدرسية لهو من أهم أدوارها وبحوثها الرصينة في مجال التعليم الإسرائيلي، فلسفة وأهدافاً وكتباً مدرسية، لمعرفة الخطر العظيم الذي تتضمنه تلك الكتب الإسرائيلية نحو توجيه بوصلة الإتجاه نحو العداء الدائم والمستمر للوجود العربي في فلسطين التاريخية.