فراس المجالي

يجلس المستخدم مع هاتفه في ساعة متأخرة من الليل، إذ وعد نفسه بأن يتحقق من آخر رسالة قبل النوم، لكن إبهامه يستمر في التمرير على الشاشة، بين فيديو ساخر وآخر يحلل أزمة، ليتسرب الوقت، حتى يشرق الفجر دون أن يدري.

فهل تساءلنا يوماً لماذا نفشل في محاولاتنا للسيطرة على أوقاتنا أمام الشاشة؟

الحقيقة أن الشركات التقنية لا تمنحنا ذلك الوقت مجاناً، بل تجمع حركاتنا الصغيرة لتبنيَ منها خريطة تفصيلية تتنبأ بدوافعنا اللحظية وتجعلها سلعة صالحة للبيع .

القصة تبدأ حين تحوّل الخوارزميات كل وقفة قصيرة أو متوسطة أو طويلة، وكل إعجاب وتعليق، إلى بيانات دقيقة، وهنا يظهر الفارق الجوهري بين التلفزيون التقليدي الذي يبث من طرف واحد، وبين الشاشة الذكية التي تعمل في إطار بيئة تفاعلية تدرس ردود أفعالك اللحظية لتعيد تشكيل المحتوى أمام عينيك مباشرة.

وعندما تترجم الخوارزمية أنماط سلوك المستخدم إلى رقم دقيق، تصنع له لوحة نفسية لتصبح هويته الرقمية الخاصة، التي تبيّن متى يرتاح ويميل إلى ما يرى، وتقرأ متى يرتبك ويغضب ويتفاعل، وكيف يمكن ضمان بقائه أمام ما يُعرض إليه لأطول فترة ممكنة.

ولأن الغضب يولّد أعلى درجات التفاعل، تجد المنصات في المحتوى المشحون وقوداً مثالياً لربط المستخدم بالشاشة، غير مبالية بالقيم الأخلاقية والسلام المجتمعي.

فلهذه الأنظمة حيلة نفسية تشبه آلات الحظ في دور القمار، إذ يبقى العقل منتظراً لما سيظهر في السحبة القادمة، ليفرز الدماغ المزيد من الدوبامين مع كل مفاجأة صغيرة ، والنتيجة أننا نتنازل طوعاً عن إرادتنا الحرة، لنتحول إلى شخصيات رقمية قيمتُها في نقاط الضعف التي يمكن بيعها لمن يدفع أكثر.

تذكّر إذاً كيف تظهر لك إعلانات الوجبات السريعة لحظة عودتك مجهداً من العمل بالتحديد، وكيف تغمرك التنزيلات الكبرى قبل تحويل راتبك بأيام، وكيف تتدفق إليك المقاطع السياسية المشتعلة حين تكون في حالة اهتمام بقضية تشغل الشارع المحلي.

لقد قُضي الأمر، واستحالت مشاعرنا رصيداً تجارياً يُتداول في مزادات خفية... لكن الخطر لا يقف عند سرقة الدقائق وتوجيه الشراء، فهذه التكنولوجيا تتجه نحو بناء ما يسمّىٰ بالتوائم الرقمية السلوكية التي تتجاوز محاكاة الأفراد إلى القدرة على تمثيل مجتمعات كاملة بنواياها واستجاباتها.

ومن شأن هذه المحاكاة فائقة الدقة أن تتيح للجهات المهيمنة اختبار القرارات السياسية والضغوط الاقتصادية على الشعوب في بيئة افتراضية قبل تطبيقها على الأرض، لتنتقل اللعبة من مجرد التنبؤ بالسلوك الفردي إلى هندسة ردود الأفعال الجماعية وضبط إيقاع الشارع.

ولا يقف التطور السريع عند هذا الحد، فشركات الذكاء التوليدي تعمل على فكرة دمج البيانات النفسية ، لخلق واقع متخيل شخصي، يولّد للمستخدم محتوىً مرئياً ومكتوباً يُصاغ في اللحظة نفسها ليناسب ثغراته النفسية، والغاية من ذلك تفتيت الحقيقة المشتركة بين أبناء المجتمع الواحد، ليبقى كل فرد حبيس فقاعته الخاصة.

وتتضاعف هذه المخاطر مع صعود تقنيات الواجهات العصبية التي تقرأ إشارات الدماغ والموجات الذهنية مباشرة عبر السماعات والنظارات الذكية، مستهدفةً الخصوصية الذهنية التي تُعتبر الحصن الأخير لإرادة الإنسان.

وأمام هذا التلوث المعرفي المنهِك، والطوفان الرقمي الجارف، تتجلى الضرورة لبناء وعي وقائي واستعادة السيادة على أدواتنا.

فكما يقول المثل: "داوِها بالتي كانت هي الداءُ".

ربما يكون الحل بالانتقال نحو نموذج جديد يُسمى "اقتصاد النيّة" ، وهو التحول الذي يمكن أن يقلب معادلة السيطرة الرقمية رأساً على عقب.

وبدلاً من أن تـتـبّعَ الخوارزمياتُ آثار المستخدم لتستنتج رغباته وتصطاده بالإعلانات، سيصبح بإمكانه أن يعلن بنفسه عن حاجاته الصريحة وميزانيته المحددة بكامل إرادته الحرة.

ومن هنا سيتولى وكيله الشخصي الذكي التفاوض مع المورّدين في سوق مفتوح يجبر الشركات على التنافس لإرضاء طلبه المباشر، متجاوزاً منصات التتبع التي تستغل مشاعره وأوقاته، ليعود الذكاء الاصطناعي درعاً يحمي خصوصيته بدلاً من استباحتها.

كما تتطلب هذه المواجهة في المنظور القريب حظراً صارماً للإشعارات العشوائية، وتحديد أوقات منتظمة للابتعاد الكامل عن الشاشات، بالتوازي مع حملات مجتمعية تكرّس الأبعاد الأمنية للوعي الرقمي.

إن العقل الذي يستجيب لكلّ نداء لا ينتبه لشيء، فالإنتباه الحقيقي يُقاس بما يتبقّى من الوعي حين نُطفئ الشاشة الذكية، كما ان حرية الفرد الرقمية اصبحت تُقاس بما يستطيع أن يتجنّب النظر إليه حين يُعرضُ أمامه، أما الخوارزميات فهي لا تتلوَ علينا سحر الطاعة، فكل ما في الامر انها تبحث في دواخلنا عن فراغٍ ينتظر من يملؤه.