رجا طلب

شكل التقرير الذي نشرته " هارتس " قبل عدة ايام والذي كشف عن تحذير اماراتي لنتنياهو سبق هجوم السابع من أكتوبر 2023، صدمة قاسية لنتنياهو ولجمهوره ، صدمة لم يستطع الى الان معالجة ارتداداتها داخل اسرائيل بصورة عامة وداخل الليكود بشكل خاص ، فالتقرير اعطى قيمة غير مسبوقة للسؤال الذي بات مطروحا بقوة : ماذا كان يعرف نتنياهو قبل الهجوم، ومتى عرف، وماذا فعل بالمعلومات التي وصلته؟

بحسب التحقيق المستند إلى كتاب للصحفيين شلومي إلدار وروث يوفال ( كتاب المختطفون – 843 يوما من الاهمال ) ، فقد أجرى رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد اتصالاً بنتنياهو قبل نحو عشرة أيام من السابع من أكتوبر، استمر قرابة 45 دقيقة، وحذره من أن يحيى السنوار كان يعد لعملية كبيرة ، وتقول الرواية إن التحذير لم يكن عاماً، بل تحدث عن عملية واسعة يمكن أن تهدد استقرار المنطقة واتفاقات أبراهام.

نتنياهو نفى ذلك نفياً قاطعاً، وقال إنه لم يتحدث إلى محمد بن زايد في تلك الفترة ولم يتلق منه أي تحذير، ملوحاً بمقاضاة " هآرتس " والصحفيين الذين نشرا الرواية.
لكن السؤال هنا ليس: هل ثبتت الرواية أم لا؟ بل: لماذا تبدو القضية أخطر من مجرد خلاف بين رئيس حكومة وصحيفة؟

فالرواية، وفق ما نشر، تستند إلى مصادر ووثائق ومراسلات ومواد تسجيلية، كما أفادت تقارير بأن مصدراً إماراتياً أكد حصول الاتصال، فيما لم تؤكد أبوظبي رسمياً تفاصيله ولم تنفها. والأهم أن الرواية لا تقف منفردة؛ فقد سبقت السابع من أكتوبر تحذيرات ومؤشرات إسرائيلية ومصرية بشأن احتمال وقوع عملية كبيرة من غزة.

لذلك فإن جوهر القضية ليس امتلاك نتنياهو " معلومة سحرية" تحدد ساعة الهجوم، وإنما سؤال أكثر خطورة: هل وصل إليه تحذير سياسي–أمني محدد عن عملية كبرى، ولم يُتعامل معه بالمستوى الذي يستحقه؟

وهنا تصبح العلاقة مع الإمارات ذات أهمية خاصة.
كانت اتفاقات أبراهام واحدة من أبرز إنجازات نتنياهو الدبلوماسية، وكانت الإمارات بالنسبة إليه نموذجاً لعلاقة استراتيجية عربية يمكن أن تعيد تشكيل موقع إسرائيل في المنطقة ، لكن إذا ثبتت رواية التحذير ، فإن الصورة تنقلب: الإمارات لم تكن مجرد شريك عربي لإسرائيل، بل دولة يُقال إن رئيسها حاول تحذير رئيس حكومتها من خطر يقترب منها ، وهذا يضع نتنياهو أمام السؤال الأصعب: إذا كان محمد بن زايد قد حذرك، فلماذا لم تتحرك؟ أما إقحام نتنياهو باسم محمد دحلان في القصة، فيبدو دعائيا أكثر منه دليلاً على أصل الرواية ، فدحلان يتمتع بعلاقات وثيقة مع القيادة الإماراتية وله حضور في النقاشات المتعلقة بمستقبل غزة، لكن اتهامه بالوقوف وراء التسريب يحتاج إلى أدلة لم تظهر علناً حتى الآن ، والأهم أن إثبات وقوف دحلان وراء التسريب، إن حدث، لا يثبت أن مضمون التسريب كاذب ، وهنا تبدو محاولة نقل النقاش من " ماذا حدث؟ " إلى " من سرّب؟ " محاولة لتغيير مركز الثقل السياسي للقضية وزيادة الضبابية حولها ، فالمعركة الحقيقية ليست بين نتنياهو ودحلان، ولا بين نتنياهو و" هآرتس" إنها معركة حول المسؤولية السياسية والامنية عن السابع من أكتوبر فإذا أثبت تحقيق مستقل أن نتنياهو تلقى تحذيراً مباشراً من رئيس الامارات ، ولم يتخذ إجراءات تتناسب مع خطورته وهذا ما تؤكد المعطيات ، فإن القضية ستتجاوز عنوان " الفشل الاستخباري " إلى الاهمال المتعمد الذي يصل حد الخيانة العظمى ، ولهذا فإن أخطر ما في القصة بالنسبة لنتنياهو ليس محمد بن زايد، ولا محمد دحلان، ولا حتى " هآرتس " إنه سؤال واحد:

ماذا كنت تعرف قبل السابع من أكتوبر... وماذا فعلت بما كنت تعرف؟ ولهذا ان لم يقدم نتنياهو جواباً مقنعاً، فإن كل محاولات تحويل القضية إلى مؤامرة من الامارات او من محمد دحلان عليه للاضرار به ستظل تدور حول المشكلة وتعمق الشكوك به ، من دون أن تقترب من قلبها ، وقلب المشكلة هو نتنياهو نفسه ، لماذا لم تتصرف ولمصلحة من فعلت هذا ؟؟