د. نضال المجالي

حين نتحدث عن الحوكمة في مؤسسات الدولة، فإننا لا نتحدث فقط عن قوانين وأنظمة مكتوبة، بل عن إدارة تؤمن بها وتترجمها إلى ممارسة يومية.

وفي هذا السياق، فإن نموذج الإدارة العليا في البنك المركزي الأردني يستحق الإشادة؛ فالمحافظ الحالي، ومن سبقه من محافظين، كانوا خيارات صائبة أثبتت حضوراً وقدرة ووعياً بطبيعة المؤسسة ودورها في حماية الاستقرار المالي والنقدي وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني.

وأقول ذلك أيضاً من واقع تجربة مباشرة؛ فقد تعاملت شخصياً مع محافظ البنك المركزي الحالي في قضية تمس استثماراً، وكانت الاستجابة والتفاعل على أعلى مستوى من المهنية والوضوح، وفي الوقت ذاته ضمن الضوابط التي تحمي المصلحة المالية للدولة، وهذا هو جوهر الإدارة المؤسسية: أن تستجيب، دون أن تتجاوز القانون، وأن تحمي المصلحة العامة دون أن تغلق أبواب التواصل.

قوة البنك المركزي لا تأتي من تشريعاته وصلاحياته فقط، بل من قدرته على جعل الحوكمة ممارسة يشعر بها كل من يتعامل معه؛ من حيث وضوح الإجراءات، وعدالة المعايير، وسرعة الاستجابة المعقولة، ودقة القرار.

وهنا تكمن قيمة النموذج الذي قدمته الإدارة العليا المتعاقبة: المؤسسة أقوى عندما تكون القيادة واعية بدورها، ملتزمة بصلاحياتها، وقادرة على تحقيق التوازن بين الرقابة والاستجابة.

والأمل أن ينعكس هذا النموذج على بقية مؤسسات الدولة، في الحوكمة كما في التنفيذ، وفي اختيار القيادات كما في تقييم الأداء.

فاختيار الإدارة العليا ليس تفصيلاً إدارياً؛ بل هو أحد أهم قرارات بناء المؤسسة.

وعندما تكون القيادة اختياراً صائباً، تصبح الحوكمة ثقافة، ويصبح القانون إطاراً للعمل، وتصبح المؤسسة أقوى من الأشخاص وأكثر قدرة على خدمة الدولة والمواطن.