بقلم المهندس نديم الفقهاء

الـ47 ثانية التي بدأ بها الملك عبدالله الثاني خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد رقم مثير يصلح لافتتاح خطاب دولي ولم يكن الحديث عن تراجع قدرة الإنسان على التركيز استراحة ذكية قبل الدخول في السياسة

كان الرقم مفتاح الخطاب كله

فالملك لم يتحدث هذه المرة عن الصراعات وحدها بل عن شيء يسبقها ويصنع جزءا من نتائجها وهو من يمتلك انتباه العالم

وهذه زاوية تستحق التوقف عندها لأن السياسة الدولية لم تعد فقط صراعا على الأرض والنفوذ والسلاح والاقتصاد بل أصبحت أيضا صراعا على الذاكرة وعلى من يستطيع إبقاء قضيته حية ومن يسمح لها بأن تغادر الوعي العالمي وعلى الضحية التي تبقى مأساتها حاضرة بعد أن تغادر الكاميرات

حين تحدث الملك عن الانتباه بوصفه موردا جيوسياسيا نقل المسألة من علم النفس إلى قلب العلاقات الدولية

ومن هنا يمكن قراءة بقية الخطاب بطريقة مختلفة

غزة في هذا السياق ليست فقط قضية حرب ودمار بل نموذج لما يحدث عندما يطول الصراع أكثر من قدرة العالم على متابعته وعندما يصبح الاعتياد على المأساة جزءا من استمرارها

ولهذا كانت واحدة من أهم أفكار الخطاب تشخيص الآلية التي سمحت باستمرار الأزمة حين اختار المجتمع الدولي إدارة الصراع بدلا من حلّه

والفارق بين الاثنين ليس لغويا

إدارة الصراع تعني إبقاء الحريق تحت السيطرة بما يكفي كي لا يحرق المنطقة كلها أما حل الصراع فيعني إزالة أسباب الحريق نفسه

وهنا جاءت فكرة شديدة الخطورة في الخطاب وهي المؤقت الذي يتحول إلى دائم

يبدأ الأمر بانتهاك يعامل باعتباره حدثا عابرا ثم يمر الوقت فيصبح واقعا وبعد ذلك يأتي واقع جديد فوقه حتى لا تعود الاستثناءات استثناءات بل تتحول بالتراكم والصمت إلى سياسة

وهكذا لا يصنع الواقع الجديد دائما بقرار واحد كبير

أحيانا يصنع بسلسلة من الوقائع الصغيرة التي يعتادها العالم واحدة بعد أخرى

لكن الخطاب لم يتوقف عند فلسطين

كانت سوريا واحدة من أهم رسائله وربما أكثرها اتصالا مباشرة بالأمن الوطني الأردني

فعندما ربط الملك التحركات الإسرائيلية في جنوب سوريا بالحدود الشمالية للأردن وبالمياه لم يعد الحديث عن أزمة تقع في دولة مجاورة بل عن اللحظة التي يتحول فيها تغيير الجغرافيا والسياسة خارج الحدود إلى تهديد داخلها

واللافت أن المياه ظهرت هنا باعتبارها جزءا من السيادة والأمن لا مجرد ملف خدمات أو موارد

وهذه نقطة ينبغي أن يقرأها الأردنيون جيدا

فالأمن الوطني في الخطاب لم يعد يعني دبابة تقترب من الحدود فقط

الماء أمن وطني والحدود أمن وطني وتهريب المخدرات أمن وطني واستقرار جنوب سوريا أمن وطني لأن الدولة لا تنتظر الخطر حتى يصل إلى بوابتها كي تعترف بأنه خطر

ثم جاءت واحدة من أكثر العبارات وضوحا حين أكد الملك أن تمسك الأردن بالدبلوماسية لا ينبغي أن يساء تفسيره باعتباره ضعفا

هذه ليست جملة بروتوكولية

إنها رسم واضح لحدود السياسة الأردنية

الحوار خيار والسلام موقف والدبلوماسية أداة لكن أيا منها لا يعني التنازل عن المصالح الوطنية عندما تصبح الحدود أو المياه أو أمن الأردنيين موضع تهديد

فالهدوء في السياسة لا يعني غياب القوة كما أن تجنب التصعيد لا يعني القبول بما يفرضه الآخرون

وهناك بعد آخر في الخطاب قد يضيع وسط العناوين السياسية الكبيرة

الملك تحدث عن الأردن نفسه

عن دولة لا تستطيع أن تنتظر انتهاء أزمات المنطقة حتى تبدأ بناء مستقبلها

وهنا ربما تكمن أصعب معادلة أردنية

أن تتعامل الدولة مع الحرائق المحيطة بها وفي الوقت نفسه تبني مركزا للتجارة والصناعة والتكنولوجيا يربط الخليج بالبحر المتوسط

أن تستثمر في اقتصاد المستقبل وهي موجودة في جغرافيا لا تمنحها ترف الاستقرار الطويل

أن تحمي الحدود والمياه وتواجه المخدرات وتتعامل مع أزمات تمتد من فلسطين إلى سوريا وفي الوقت نفسه تحاول خلق فرص جديدة للاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا

لهذا فإن قراءة الخطاب باعتباره خطابا آخر عن فلسطين تظلمه

فلسطين كانت في قلبه بالتأكيد لكنها لم تكن فكرته الوحيدة

الفكرة الأكبر كانت عن عالم يمتلك من المعلومات أكثر مما امتلكه أي جيل سابق لكنه قد يمتلك قدرة أقل على إبقاء انتباهه طويلا بما يكفي لمنع الكارثة

وهنا تكمن المفارقة الأخطر

ربما لم يعد السلاح الأكثر فاعلية في السياسة أن تمنع العالم من معرفة الحقيقة

في عصر الهاتف والكاميرا والمنصات قد يصبح إخفاء الحقيقة أصعب من أي وقت مضى

لكن هناك سلاحا أكثر هدوءا وربما أكثر فاعلية

أن تترك العالم يرى الحقيقة كاملة

يرى القتلى والدمار والنزوح والجوع

ثم تنتظر

تنتظر حتى يعتاد المشهد

حتى تتراجع الصدمة

حتى تأتي أزمة جديدة

حتى تنتقل الكاميرا إلى مكان آخر

وعندها لا تكون الحقيقة قد اختفت

الذي اختفى هو الانتباه إليها

ولهذا كانت الـ47 ثانية أكبر من مجرد رقم في مقدمة خطاب

كانت تحذيرا من زمن جديد لا تختفي فيه القضايا لأن المعلومات عنها غير موجودة بل لأنها تدفن تحت معلومات أحدث منها

وفي السياسة كما في الإعلام ما يغادر الشاشة قد يغادر جدول الأعمال وما يغادر جدول الأعمال قد يفقد الضغط الدولي الذي كان يحميه من أن يصبح مجرد واقع جديد يتعايش معه العالم

وهنا تصبح الجملة الأخيرة في خطاب الملك مفتاحا لفهم ما سبقها كله

فالمستقبل لا يتشكل فقط بما نفعله وإنما أيضا بما نختار تجاهله

وربما هذه هي الزاوية الأكثر قسوة في الخطاب كله

فالتاريخ لا يسجل فقط الحروب التي بدأت والقرارات التي اتخذت والمواقف التي أعلنت

التاريخ يسجل أيضا اللحظة التي عرف فيها العالم ما يحدث ثم اعتاد عليه

يسجل اللحظة التي تحولت فيها المأساة من خبر عاجل إلى خبر عادي

ويسجل الكوارث التي رآها الجميع قادمة ولم يكن ينقصهم أن يعرفوا الحقيقة

كان ينقصهم فقط أن يستمروا في النظر إليها

لأن أخطر انتصار يمكن أن يحققه طرف في صراع اليوم ليس دائما أن يقنع العالم بروايته

بل أن يجعل العالم يفقد اهتمامه بالحقيقة نفسه