هذه ليست صورة عن وجبة سريعة
وليست حكاية ملك يأكل سندويشة في غرفة جانبية
فلو قرأناها بهذه الطريقة نكون قد أهدرنا أهم ما فيها
واحدة من أكثر الصور تعبيرا عن يوم سياسي مزدحم في الأمم المتحدة لم تلتقط داخل قاعة الجمعية العامة ولا أمام أعلام الدول ولا حول طاولة اجتماعات
التقطت حول طاولة صغيرة فوقها بقايا وجبة سريعة
ملك وولي عهد وفريق عمل يأكلون على عجل قبل العودة إلى اجتماعاتهم
هنا تبدأ الصورة فعلا
فالسياسة ليست دائما ذلك المشهد المصقول الذي يصلنا عبر الشاشات
خلف الخطاب ساعات من العمل وخلف المصافحة اجتماعات وتحضيرات وانتقال من غرفة إلى أخرى
وفي أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة تصبح الدقيقة نفسها جزءا من السياسة
لهذا لا تكمن قيمة الصورة في السندويشات ولا في بساطة المكان
القصة الأهم هي الزمن
خلف القاعة الرئيسية شبكة كثيفة من اللقاءات الثنائية والمفاوضات والرسائل السياسية التي تجري خلال ساعات محدودة
وهذه الصورة تلتقط المسافة القصيرة بين السياسة بوصفها مشهدا رسميا والسياسة بوصفها يوم عمل طويل
قبل دقائق طاولة يجلس حولها رؤساء دول
وبعدها غرفة جانبية ووجبة سريعة
ثم اجتماع آخر
وهذا ربما أجمل ما في الصورة
أنها لم تحاول أن تكون جميلة
لا أحد يبدو منشغلا بالكاميرا
الأجساد منحنية نحو الطعام والأوراق متناثرة والكراسي ليست مصطفة لصناعة مشهد
ومن منظور الاتصال السياسي هنا تكمن قوتها
فالصورة الرسمية تقدم المشهد الذي أعد للمتلقي
أما الصورة العفوية فتمنحه إحساسا بأنه دخل للحظة إلى المساحة الواقعة خلف الستار
لكنها لا تحتاج إلى مبالغة في تفسيرها
فصورة واحدة لا تكشف شخصية أصحابها ولا تسمح ببناء استنتاجات كبرى
إنها ببساطة توثق لحظة
وقبلها كان الملك يقف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ويتحدث عن فلسطين وغزة والضفة الغربية والقانون الدولي ومصداقية النظام الدولي
ثم تأتي هذه اللقطة لتعرض الوجه الآخر لذلك اليوم السياسي
لا منصة
لا ميكروفون
لا ترجمة فورية
لا مقاعد تحمل أسماء الدول
دقائق بين اجتماع وآخر
وهناك تفصيل آخر يستحق الانتباه
ولي العهد ليس على هامش الصورة بصفته ضيفا بروتوكوليا على الوفد
إنه داخل المشهد وبين فريق العمل وفي قلب البرنامج السياسي والدبلوماسي
ولهذا يمكن قراءة الصورة بوصفها صورة فريق أكثر منها صورة صاحب منصب منفرد
فمركزها الحقيقي ليس الطعام ولا المكان
إنه المهمة
وفي زمن أصبحت فيه السياسة شديدة التصنيع بصريا ويخطط للصورة أحيانا كما يخطط للرسالة تحتفظ هذه اللقطة بشيء من خشونة الواقع
لكنها لا تثبت نجاح سياسة ولا تحسم تقييم أداء
فالصور السياسية تصبح مضللة حين تتحول من وثيقة للحظة إلى دليل على كل شيء
قيمتها في شيء آخر
إنها تذكرنا بأن ما نشاهده من السياسة هو غالبا نسختها النهائية
نشاهد الخطاب ولا نشاهد ما سبقه
نشاهد المصافحة ولا نشاهد النقاشات المحيطة بها
نشاهد البيان ولا نشاهد الطريق إلى صياغته
ولهذا قد تبقى هذه الصورة في الذاكرة أكثر من صور كثيرة التقطت في الاجتماعات نفسها
ليس لأنها الأهم سياسيا
بل لأنها الأقل تكلفا بصريا
في قاعة داخل المبنى كان العالم يناقش الحروب والسلام والقانون الدولي ومستقبل المنطقة
وفي غرفة جانبية كان ملك وولي عهد وفريق عمل يأكلون على عجل قبل العودة إلى تلك الملفات
وهنا تختصر الصورة مفارقتها كلها
أكبر قضايا العالم لا تدار دائما حول أكبر الطاولات
وأحيانا تقول طاولة صغيرة مغطاة بأوراق السندويشات ما لا تقوله عشرات الصور البروتوكولية
خلف كل مشهد سياسي كبير وقت ضيق لإنجاز الكثير

