في العمل الإعلامي نتعلم مع الوقت أن الضجيج ليس دائمًا دليل قوة وأن الصمت ليس دائمًا غيابًا عن المشهد. هناك لحظات يكون فيها الصمت مجرد طريقة أكثر دقة لفهم ما يجري.
خلال سنوات طويلة في الصحافة مررت بمحطات كثيرة ورأيت كيف تتبدل المواقع وكيف تتغير التحالفات وكيف يقترب البعض حين تكون الطريق هادئة ثم يعيدون حساباتهم عندما يبدأ مشروع ما بالنمو أسرع مما توقعوا. لذلك لم تعد المفاجآت كثيرة وما يجري هذه الأيام ليس استثناء.
أسمع أكثر مما يعتقد البعض وأعرف أكثر مما أقول وأراقب بهدوء حركة الكلام من مكان إلى آخر وأميز جيدًا بين النقد المهني الذي أحترمه حتى عندما يكون قاسيًا وبين شيء آخر يرتدي ثوب المهنة بينما تتحرك خلفه حسابات مختلفة.
ولا أكتب هذه الكلمات دفاعًا عن عرب سكاي التي أتحمل مسؤوليتها بصفتي رئيسها التنفيذي، فالمشروع الذي يعرف طريقه لا يحتاج إلى الدفاع عن وجوده كل صباح، والنتائج حين تتحدث لا تحتاج إلى من يرفع صوتها.
لكن ثمة قاعدة تعلمتها مبكرًا: لا تتعامل مع كل ما تعرفه فورًا. بعض المعلومات تحتاج إلى وقت وبعض المواقف تحتاج إلى أن تكتمل وبعض الأشخاص من الأفضل أن تترك لهم المساحة الكافية كي يكشفوا بأنفسهم أين يقفون.
ولهذا فإنني لا أستعجل الرد. أراقب فقط. أراقب ما يقال وما ينقل ومن يبدأ الحكاية ومن يضيف إليها ومن يحاول تمريرها عبر الصحافة أو السياسة أو العلاقات الشخصية ومن يعتقد أن المسافات بين هذه الدوائر بعيدة بما يكفي كي لا ترى الصورة كاملة.
وما يحدث حول عرب سكاي حاضر بطبيعة الحال في نقاشاتي المستمرة مع المهندس نديم الفقهاء، نتبادل ما يصل إلى كل منا ونقرأ المشهد من زواياه المختلفة ونتوقف عند بعض التفاصيل والأسماء والمواقف، وفي النهاية نصل غالبًا إلى القناعة نفسها: لا نستعجل شيئًا. نعرف ما يجري ونراقبه جيدًا ونواصل العمل، لأن بعض المشاهد لا ينبغي مقاطعتها قبل أن تكتمل.
لكن الصورة أوضح مما يتصور البعض. وأعرف أن النجاح في الإعلام لا يصنع الأصدقاء فقط. أحيانًا يوقظ حساسيات قديمة ويعيد ترتيب المصالح ويدفع بعض الذين اعتادوا المشهد كما هو إلى القلق من أي تجربة جديدة تغير قواعده.
وهذا طبيعي. غير الطبيعي أن يتحول الاختلاف إلى استهداف وأن تتحول المنافسة إلى محاولة تعطيل وأن تستخدم العلاقات أو المنابر أو النفوذ لتصفية حسابات كان يفترض أن تبقى خارج المهنة. هنا تصبح المسألة مختلفة.
ومع ذلك لن أدخل مع أحد في معركة ضجيج ولن أبادل همس المجالس بهمسة أخرى ولن أستخدم المنبر لتصفية حساب شخصي. لكل شيء وقته ولكل موقف طريقته في التعامل ولكل شخص نصيبه من المسؤولية عما قال وما فعل وما اختار أن يكون جزءًا منه.
وليس في ذلك تهديد لأحد بل احترام للذاكرة وللوقائع ولحق كل إنسان في أن يتحمل مسؤولية موقفه.
أما الذين يختلفون معنا مهنيًا فمكانهم محفوظ واحترامهم واجب والنقد بالنسبة لي جزء من أي تجربة تريد أن تتطور. والذين ينافسوننا بشرف سننافسهم بشرف.
أما من اختار طريقًا آخر فلن يكون بيننا لا خصومة شخصية ولا معارك جانبية ولا وقت نهدره في سجالات لكن لكل علاقة حدودًا ولكل موقف أثره، ومن يختار موقعه اليوم عليه أن يدرك أن اختياره سيبقى جزءًا من ذاكرة الغد.
الرسالة وصلت كاملة بأسمائها وتفاصيلها ومساراتها.
وسأبقى أفعل ما فعلته طوال سنوات عملي. أراقب جيدًا وأتذكر جيدًا وأترك العمل يتحدث.
وعندما يأتي الوقت المناسب لكل موقف لن تكون هناك حاجة إلى كثير من الكلام.
فالذين تعنيهم هذه الكلمات سيفهمونها والذين لا تعنيهم ليس مطلوبًا منهم أن يفهموا شيئًا

