رجا طلب

لم تعد الضفة الغربية تعيش مجرد مرحلة جديدة من التصعيد الإسرائيلي، بل تبدو وكأنها تدخل مرحلة شديدة الخطورة يمكن أن يصبح فيها الانفجار مسألة وقت لا أكثر، فالمستوطنون يصعّدون اعتداءاتهم، والجيش يواصل عملياته، والقيود على الحركة والهدم والتهجير تتسع، فيما تتحول المستوطنات والطرق الالتفافية إلى أدوات لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية.

الأرقام التي توثقها الأمم المتحدة تكشف حجم التحول: أكثر من 1600 اعتداء للمستوطنين سُجلت منذ بداية العام، وأصابت 275 تجمعا فلسطينيا، فيما تجاوز عدد الفلسطينيين الذين هُجّروا بسبب ارهاب المستوطنين والقيود المرتبطة به 2600 شخص، وفي المقابل تتحدث منظمات حقوقية عن سياسة أوسع من التهجير القسري وتوسيع الاستيطان في مناطق من الضفة ، لكن الأخطر أن المسجد الأقصى يدخل على خط النار.

ففي الأيام الأخيرة قاد إيتمار بن غفير اقتحاما للمسجد الأقصى بمشاركة مئات الإسرائيليين وتحت حماية الشرطة، معلنا أن الإسرائيليين «أصحاب المكان»، بينما فُرضت القيود على الفلسطينيين وأُغلقت متاجر في البلدة القديمة في القدس. كما تتواصل محاولات تغيير قواعد الوضع القائم في المسجد الأقصى، بما فيها مطالب بالسماح لليهود بالدخول في أيام إضافية.

وهنا تحديداً توجد القنبلة الموقوتة والمؤجلة، فالضفة ليست غزة، والأقصى ليس ملفا أمنيا عاديا، وأي محاولة لتحويل الصراع من صراع سياسي على الأرض والحقوق إلى صراع ديني قد تفتح أبوابا يصعب إغلاقها ومن رحم هذه الحقائق يطرح السؤال المهم، هل نحن أمام انتفاضة ثالثة؟

لا يمكن الجزم بذلك، لكن شروط الانفجار تتراكم، والفارق هذه المرة أن الفلسطيني الذي قد يخرج إلى الشارع لن يكون بالضرورة مدفوعا فقط بقضية الاحتلال، بل بشعور متزايد بأن الأرض تُنتزع، والسلطة تتآكل، والاستيطان يتمدد، والقدس تتعرض لمحاولات تغيير، فيما يبدو الأفق السياسية مغلقا، وإذا تفجرت انتفاضة ثالثة، فلن تكون بالضرورة نسخة من الأولى عام 1987 أو الثانية عام 2000، فالأولى قامت أساسا على العصيان الشعبي والمظاهرات والإضرابات والحجارة واللجان الشعبية، وانتهت إلى تغيير مهم في المعادلة السياسية وفتحت الطريق إلى أوسلو، أما الثانية فجاءت في سياق مختلف تماما، واتخذت طابعا مسلحا خصوصا بعد زيارة أرييل شارون للأقصى في سبتمبر 2000.

أما الانتفاضة الثالثة، إذا اندلعت، فقد تكون انتفاضة بلا قيادة مركزية واضحة، يقودها جيل جديد لم يعش الانتفاضتين السابقتين، وأكثر قدرة على استخدام الهاتف والمنصات الرقمية لتوحيد الشارع الفلسطيني خلال ساعات، وقد تكون أيضا أكثر اتساعا جغرافيا، فلا تبقى محصورة في نابلس أو جنين أو الخليل، بل تمتد إلى القدس ورام الله وطولكرم وسائر المدن والقرى والمخيمات، وربما تتقاطع فيها الاحتجاجات الشعبية مع أشكال العصيان المدني والمواجهة الميدانية ومن المرجح أن تلقى الإسناد من مناطق فلسطين عام 1948، والأهم أنها قد تكون انتفاضة تتجاوز الانقسام الفلسطيني التقليدي إذا استطاعت أن تجعل عنوانها فلسطينيا جامعا لا فصائليا.

وهنا تكمن المفارقة: إسرائيل تستطيع مواجهة مجموعة مسلحة، لكنها ستجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدا إذا تحولت الضفة إلى مساحة عصيان شعبي واسع، وترافق ذلك مع معركة سياسية وقانونية وإعلامية دولية تعزز تأثيرها، لقد أثبت التاريخ أن شرارة الانتفاضات قد تكون صغيرة، لكن أسبابها لا تكون صغيرة أبدا.

واليوم يجد الفلسطيني نفسه، بين الاستيطان والتهجير، وبين حكومة إسرائيلية يرفع أغلبية وزرائها سقف المواجهة إلى الدعوة للحرب على الضفة، يبدو السؤال الحقيقي ليس: هل يريد الفلسطينيون انتفاضة ثالثة؟

بل السؤال: إلى أي حد تستطيع إسرائيل دفع الضفة نحوها قبل أن يصبح الانفجار خارج قدرة الجميع على التحكم به؟

الغد