- بقلم المهندس نديم الفقهاء
لا يمكن مطالبة السعودية بأن تبني مستقبلها تحت رحمة صاروخ ولا أن تجعل أمن مدنها ومطاراتها موضوعًا للتفاوض مع جماعة مسلحة كلما أرادت تحسين موقعها السياسي فالدولة التي تتحمل مسؤولية حماية مواطنيها والمقيمين على أرضها لا تستطيع اعتبار الاعتداءات المتكررة قدرًا ينبغي التعايش معه ومن هنا يبدأ فهم الموقف السعودي باعتباره دفاعًا عن أمن الدولة ورفضًا لتحويل الجوار اليمني إلى مصدر تهديد دائم.
ولفهم هذا الصراع ينبغي إعادة الوقائع إلى ترتيبها ففي نوفمبر عام ٢٠٠٩ وقع هجوم حوثي عبر الحدود السعودية أسفر بحسب السلطات السعودية عن مقتل رجل أمن وأعلن الحوثيون سيطرتهم على موقع في جبل الدخان وهذه واقعة تسبق تدخل التحالف في اليمن عام ٢٠١٥ بسنوات وتثبت أن الاعتداء الحوثي على الأراضي السعودية لم يبدأ بوصفه ردًا على ذلك التدخل وإن كانت لا تختزل تاريخ الصراع كله ولا تعني أن كل جولة لاحقة بدأت بالتسلسل نفسه.
وفي الداخل اليمني سبق استيلاء الحوثيين على صنعاء دخول التحالف بقيادة السعودية إلى الحرب ثم جاءت السيطرة على مؤسسات الدولة والتوسع العسكري لتقوض مسار الانتقال السياسي وكان التدخل السعودي استجابة لطلب الرئيس اليمني آنذاك عبدربه منصور هادي المساعدة في مواجهة هذا التوسع بينما طالب مجلس الأمن الحوثيين بالانسحاب من المناطق التي استولوا عليها وتسليم الأسلحة المنتزعة من المؤسسات العسكرية والكف عن تهديد الدول المجاورة.
لهذا فإن تصوير السعودية باعتبارها صاحبة حرب على الشعب اليمني يتجاهل أصل المشكلة فاليمنيون ليسوا جماعة الحوثي ومصلحة المملكة ليست في وجود جار منهار تتنازع مؤسساته القوى المسلحة بل في يمن مستقر تحكمه مؤسسات قادرة على ضبط السلاح وحماية الحدود فاستقرار اليمن ضرورة لأمن السعودية والحرب المفتوحة تستنزف البلدين وتترك أسباب انفجارها قائمة.
لكن الخطر الحوثي تجاوز الحدود البرية فالتوسع على الساحل اليمني وتهديد الملاحة يجعلان البحر الأحمر وباب المندب جزءًا من معادلة الضغط على المملكة والمنطقة وحين تحاول جماعة مسلحة تحويل الممرات البحرية إلى وسيلة لفرض شروطها فإنها تنقل الصراع من حدود اليمن إلى مصالح دول وشعوب تعتمد على هذه الطرق في تجارتها وإمداداتها.
وهنا تصبح مواجهة التهديد مسؤولية تتجاوز الرياض وحدها فلا يصح أن يستفيد العالم من أمن الملاحة ثم يترك السعودية تتحمل كلفة حمايته ولا أن تتحول الدعوات إلى ضبط النفس إلى مطالبة الطرف المستهدف بقبول اعتداءات لا يقبلها أصحاب تلك الدعوات على أراضيهم.
اقتصاديًا تكمن خطورة هذا الأسلوب في محاولة جعل التنمية نفسها رهينة للتصعيد فالمطار بوابة للسفر والعمل والاستثمار والمنشآت الاقتصادية مصدر رزق والبحر طريق للسلع والطاقة وحين تضرب هذه المرافق أو تهدد تمتد الكلفة إلى العامل والمسافر والمستهلك ومن هنا فإن استهدافها يضغط على حياة الناس قبل أن يضغط على الحكومات.
أما الدعم الإيراني للحوثيين فيضيف بعدًا إقليميًا إلى الصراع ويزيد قدرة الجماعة على مواصلة تهديداتها لكن ذلك لا يعفي قيادتها من المسؤولية عن خياراتها فللحوثيين مشروعهم وحساباتهم المحلية أيضًا وتكمن المشكلة في التقاء طموحهم المسلح مع دعم خارجي يوسع قدرتهم على تهديد جيران اليمن بينما يدفع اليمنيون ثمن استمرار هذا المسار.
ولم تكن التهدئة خيارًا غائبًا فقد وافقت السعودية ضمن التحالف على الهدنة الأممية التي بدأت في أبريل عام ٢٠٢٢ وشملت الهجمات العابرة للحدود وهذه التجربة تؤكد أن خفض التصعيد ممكن وأن الباب السياسي لم يكن مغلقًا لكن التفاوض يفقد قيمته إذا انتهى إلى تثبيت قدرة الجماعة على إعادة التهديد كلما تعثرت مطالبها.
قبول السعودية بالحوار يعكس إدراكًا لكلفة الحرب وحاجة المنطقة إلى الاستقرار غير أن الحوار يحتاج إلى طرف يتعامل مع الاتفاق باعتباره التزامًا لا استراحة تسبق جولة جديدة فالسلام الذي يبقي المدن تحت التهديد يؤجل الانفجار ويمنح أصحابه وقتًا إضافيًا للاستعداد له.
ومع وضوح هذا الموقف فإن الدفاع عن السعودية يقتضي وضوحًا مماثلًا في الهدف والوسيلة فحماية المدنيين اليمنيين وتسهيل الإغاثة والتحقيق في الانتهاكات واجبات على جميع أطراف الحرب والالتزام بها يقوي الموقف السعودي لأن الغاية يجب أن تبقى حماية الأمن ومساعدة اليمن على استعادة دولته وإنهاء الظروف التي تسمح بتجدد الاعتداءات.
كما تحتاج المواجهة إلى شريك يمني قادر على الحكم فالانقسامات داخل القوى المناهضة للحوثيين تمنح الجماعة فرصًا لاستعادة زمام المبادرة وتوحيد مؤسسات الحكومة اليمنية وتحسين الخدمات وبناء الثقة مع السكان عناصر أساسية لأي نجاح مستدام فالميدان يفتح الطريق لكن الدولة وحدها تستطيع حفظه.
الوقوف مع السعودية هنا موقف من حق الدولة في حماية أرضها وسكانها ومن حق اليمنيين في استعادة مستقبلهم من سلطة السلاح فلا يجوز لجماعة أن تفرض إرادتها على اليمن ثم تطالب جيرانه بالتعايش مع نتائج استيلائها على القرار ولا أن تحول معاناة شعبها إلى غطاء لمواصلة مشروع يستنزف ذلك الشعب.
السعودية لا ينبغي أن تدفع ثمن رغبتها في التنمية بالتعايش مع التهديد واليمن لا ينبغي أن يبقى وقودًا لمشروع مسلح والانتصار الذي يستحق اسمه هو أن تأمن المدن السعودية ويستعيد اليمنيون دولتهم فلا يبقى مستقبل الشعبين معلقًا بقرار إطلاق صاروخ.

