بقلم المهندس نديم الفقهاء
لم تعد التطورات المتسارعة في المنطقة العربية مجرد أحداث عابرة يمكن احتواؤها ببيانات الإدانة أو الاتصالات الدبلوماسية. فما يجري في السعودية واليمن، وما يحيط بالبحر الأحمر والخليج من توترات، يطرح سؤالًا بالغ الخطورة: هل نحن أمام أزمات يمكن السيطرة عليها، أم أمام تحولات قد تدفع المنطقة إلى سنوات جديدة من الاستنزاف وعدم الاستقرار؟
إن خطورة المشهد لا تكمن في الصواريخ والهجمات العسكرية وحدها، بل في تداعياتها على أمن الدول واقتصاداتها ومستقبل شعوبها. فاستهداف المنشآت الحيوية والمطارات وتهديد الملاحة البحرية لا يقتصر أثره على الدولة المستهدفة، وإنما يمتد إلى حركة التجارة وأسواق الطاقة والاستثمار. والسعودية، بما تمثله من ثقل اقتصادي وسياسي واستراتيجي، تشكل ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي، ولذلك فإن أمنها ليس شأنًا سعوديًا معزولًا عن محيطه العربي.
وفي المقابل، يدفع اليمن ثمن صراع طال أمده وأرهق شعبه ومؤسساته واقتصاده. فاستمرار المواجهات لا يهدد الأمن السعودي وحده، بل يبدد فرص الوصول إلى تسوية سياسية تعيد لليمن استقراره. ومن الخطأ الاعتقاد أن الحل العسكري وحده يستطيع معالجة جذور أزمة تتداخل فيها الانقسامات الداخلية والحسابات الإقليمية والمأساة الإنسانية.
والأخطر أن المنطقة قد لا تواجه حربًا شاملة بالضرورة، لكنها قد تنزلق إلى استنزاف طويل الأمد، تتزايد فيه التكاليف الأمنية والاقتصادية، وتعيش المجتمعات تحت تهديد مستمر. وهذه التداعيات لا تتوقف عند حدود السعودية واليمن، فاضطراب البحر الأحمر يمس مصالح مصر والأردن ودول الخليج، وأي اهتزاز في أمن الطاقة والتجارة يترك آثاره على المنطقة بأكملها.
وأمام هذا المشهد، يبرز سؤال لا يجوز تأجيله: أين العمل العربي المشترك؟ ألا تستدعي هذه التطورات عقد قمة عربية استثنائية تبحث المخاطر قبل تفاقمها، وتضع تصورًا جماعيًا لحماية الأمن العربي، ودعم استقرار السعودية، وإنهاء المأساة اليمنية، وتأمين الملاحة، ومواجهة التداعيات الاقتصادية والإنسانية؟
لكن المطلوب ليس قمة جديدة تضاف إلى أرشيف البيانات الختامية، ولا خطابات تعيد توصيف الأزمات دون الاقتراب من حلولها. المطلوب إرادة سياسية تترجم إلى قرارات قابلة للتنفيذ، وآليات للتنسيق والمتابعة، ومسار دبلوماسي يعالج أسباب الصراع بدل الاكتفاء بنتائجه. فالتضامن العربي الحقيقي لا يقاس بقوة العبارات، وإنما بقدرة الدول على حماية مصالحها المشتركة ومنع انتقال الأزمات من بلد إلى آخر.
إن المنطقة لا تحتاج إلى التهويل، لكنها لا تحتمل الاستهانة بما يجري. وما يبدو اليوم أزمة أمنية محدودة قد يتحول، إذا غابت المعالجات السياسية، إلى عبء اقتصادي وإنساني طويل الأمد. ولذلك فإن عقد قمة عربية جادة لم يعد مجرد فكرة سياسية، بل خيارًا يستحق البحث العاجل، على أن تسبقه رؤية واضحة وتتبعَه خطوات عملية.
فالسؤال لم يعد متى يجتمع القادة العرب، بل ماذا سيفعلون قبل أن تصبح إدارة الأزمات بديلًا دائمًا عن حلها؟ إن المستقبل العربي لا تصنعه بيانات القمم، وإنما القرارات التي تمنع الحروب، وتحمي الدول، وتصون حق الشعوب في الأمن والاستقرار

