متى يشعر الأردني أن القرار اتخذ من أجله هذا هو السؤال الذي يستحق أن نخرج به من خطاب العرش الذي ألقاه الملك عبدالله الثاني في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين فقد وضع الخطاب مصلحة الأردني في صلب القرار وربط التنمية بأثرها في حياته ومن هنا يبدأ امتحان المؤسسات فالمواطن يريد أن يعرف كيف ستصل هذه الأولوية إلى بيته وعمله ومستقبل أبنائه وما الذي سيتغير في علاقته بالدائرة الحكومية حين يحتاج إليها
تخيل أبا يضطر إلى التغيب عن عمله مرات عدة لإنجاز معاملة أو شابة تتقدم إلى برنامج تدريب ثم تنهيه دون أن تتضح أمامها طريق إلى العمل كلاهما يستطيع أن يخبرنا بشيء قد لا يظهر في تقرير الإنجاز فالأول يقيس جودة الخدمة بما كلفته من وقت ودخل والثانية تقيس فائدة التدريب بما فتحه أمامها من فرص وهذه أمثلة افتراضية تضعنا أمام سؤال واقعي عن المسافة بين نجاح المؤسسة في سجلاتها ونجاحها في حياة من أنشئت لخدمتهم
لكن معرفة مصلحة الناس تبدأ قبل تنفيذ المشروع وإطلاق البرنامج تبدأ حين تسألهم المؤسسة عن حاجتهم وتستمع إلى العقبات التي يواجهونها وقد تكشف شهادة مواطن أن المشكلة في موعد الخدمة أو كلفة الوصول إليها وقد يبين حديث مع أصحاب أعمال صغيرة أن إجراء مقترحا سيضيف عبئا لم ينتبه إليه واضعوه لذلك فإن إشراك الناس في القرار يتيح اختبار افتراضاته مبكرا ويمنح المؤسسة فرصة لمعالجة خلل قبل أن يتحول إلى معاناة يصعب تداركها
وهنا يبرز السؤال الأصعب أي مواطن يصل صوته إلى المسؤول فالحضور في الاجتماعات والقدرة على كتابة المقترحات والوصول إلى المنابر ليست متاحة للجميع بالقدر نفسه ولهذا تحتاج المؤسسة إلى جهد مقصود لسماع العامل الذي لا يستطيع ترك عمله والأم التي تتحمل مسؤوليات الرعاية وسكان المناطق البعيدة عن مراكز القرار وتصبح المصلحة العامة أكثر عدلا حين تدخل تجارب هؤلاء في حساباتها ويكون توزيع المنافع والأعباء واضحا وقابلا للنقاش
وأمام مجلس الأمة فرصة لأن يجعل هذه الأسئلة جزءا من عمل الدورة التي افتتحها خطاب العرش فإذا أعلنت الحكومة تحسين خدمة فليكن السؤال عما تحسن فعليا ولمن وإذا أنفقت على برنامج فلتكن المتابعة لما حققه وما تعثر فيه ويستطيع النائب أن يحمل إلى القبة تجربة الناس ثم يعود إليهم بإجابة موثقة عما فعلته الحكومة وما بقي عليها فبهذه الصلة المستمرة يكتسب الدور الرقابي الذي أكده الخطاب وزنه ويجد المواطن سببا ليتابع ما يجري تحت القبة
وللصحافة مسؤولية موازية تبدأ من العودة إلى الوعود بعد انفضاض مناسبات إعلانها فالمشروع الذي تصدر الأخبار يوم افتتاحه يستحق زيارة أخرى حين يبدأ الناس استخدامه والبرنامج الذي أعلن أهدافا طموحة يستحق فحص نتائجه عند انتهاء مدته وفي هذه المتابعة تستطيع الصحافة أن تجمع البيانات بتجارب المستفيدين وأن تسأل الجهة المعنية عن أسباب الفجوة إن وجدت وأن تنشر ردها وبذلك تساعد الجمهور على تكوين حكم يستند إلى ما تحقق وتمنح المسؤول معلومات يمكن أن تصلح أداءه
إن وضع مصلحة الأردني في صلب القرار يكتسب معناه حين يصبح للمواطن دور في تعريف المشكلة وصوت في مناقشة الحل وقدرة على معرفة النتيجة وهذه قراءة يمكن البناء عليها في خطاب العرش خلال الدورة البرلمانية الجديدة عبر قرارات أوضح ورقابة أكثر متابعة ومعلومات أيسر وصولا وعندها يستطيع الأردني أن يجيب عن السؤال الذي بدأنا منه أن يشعر بأن القرار اتخذ من أجله لأنه خفف عبئا يعرفه أو أتاح فرصة يحتاجها ولأنه حين اعترض وجد من يسمعه ويفحص اعتراضه ويصحح الخلل

