ثمة لحظات في التاريخ لا تسقط فيها الأنظمة وحدها بل تنهار معها أوهام القوة والاستقرار وتتكشف هشاشة سلطات ظنت أنها عصية على الزوال غير أن سقوط الحاكم لا يعني بالضرورة انتصار الحرية كما أن انهيار الاستبداد لا يفضي حتما إلى ولادة الديمقراطية بين هاتين الحقيقتين يأخذنا الصحافي أكرم خزام في كتابه من موسكو إلى الربيع العربي رحلتي مع الزلازل والتحولات مقدما شهادة صحافية تتجاوز سرد الوقائع إلى مساءلة المصائر السياسية للشعوب وتضع القارئ أمام سؤال بالغ العمق لماذا تنجح المجتمعات في إسقاط أنظمتها ثم تتعثر في بناء الدولة التي حلمت بها
انتهيت لتوي من قراءة هذا الكتاب الممتع الذي أخذني في رحلة استثنائية إلى أعماق تجربة صحافي لم يكتف بمراقبة التاريخ وهو يتشكل بل عاش بعض منعطفاته الكبرى واقترب من أحداثه وشخوصه وتناقضاته وقد أعاد إلي يقينا مهنيا راسخا بأن الصحافي شاهد على عصره وأن قلمه شاهد على التاريخ يلتقط ما تعجز الذاكرة الجمعية أحيانا عن الاحتفاظ به ويمنح الوقائع حياة تتجاوز زمن حدوثها وما يمنح رحلة خزام وحدتها الفكرية أن اختلاف البلدان والظروف لم يحجب عنه تشابه المعضلات فحين تحتكر السلطة القرار وتضعف المؤسسات وتتسع الهوة بين الدولة والمجتمع يصبح الاستقرار الظاهر عاجزا عن إخفاء التصدع الداخلي ومن هذه الزاوية لا تبدو موسكو وتونس والقاهرة وطرابلس والجزائر محطات منفصلة بل تجارب متباينة تكشف وجوها مختلفة لأزمة واحدة هي عجز السلطة عن بناء شرعية تتجاوز شخص الحاكم وتستند إلى ثقة المجتمع ومؤسساته
في موسكو عاين الكاتب أفول قوة عظمى امتلكت الجيوش والأيديولوجيا والنفوذ الدولي لكنها عجزت عن حماية نفسها من التآكل الداخلي ومن كارثة تشيرنوبل إلى تفكك الاتحاد السوفياتي تتجلى أزمة نظام فقد قدرته على مصارحة المجتمع وتجديد شرعيته غير أن انهياره لم يفتح أبواب الرخاء الموعود بل أعقبته فوضى اقتصادية وصعود لشبكات المصالح قبل أن يستعيد بوتين مركزية الدولة على حساب مساحات من الحرية وهنا تتشكل المفارقة الأولى التي سترافق بقية التجارب إذ إن انهيار السلطة القديمة لا ينتج بالضرورة نظاما أكثر حرية بل قد يخلق خوفا من الفوضى يعيد الاعتبار إلى الحكم المركزي القوي
وإذا كانت التجربة الروسية تكشف كيف يولد الحنين إلى السلطة القوية من رحم الاضطراب فإن تونس تكشف كيف يولد التمرد من رحم الاستقرار المصطنع فقد تراكم الفساد والتهميش والبطالة خلف واجهة سياسية وأمنية بدت متماسكة حتى أطاحت الاحتجاجات بنظام بن علي لكن الثورة التي كسرت حاجز الخوف اصطدمت لاحقا بأزمات اقتصادية وصراعات سياسية وتجدد النزعة إلى تركيز السلطة وتكمن الصلة بين التجربتين في أن الشرعية لا تستعاد بمجرد تغيير النظام ولا تصان بمجرد استعادة الأمن بل تتطلب مؤسسات قادرة على التوفيق بين الحرية والاستقرار والعدالة الاجتماعية
وتأخذ هذه المعضلة بعدا أشد تعقيدا في مصر حيث نجحت احتجاجات يناير في إسقاط مبارك لكنها لم تؤسس توافقا سياسيا يحمي المرحلة الانتقالية ومن انتخاب محمد مرسي إلى عزله بتدخل الجيش وما أعقب ذلك من أحداث دامية برز الصراع بين الشرعية الانتخابية وموازين القوة داخل الدولة وهنا تتقدم التجربة المصرية خطوة في تفسير تعثر التحولات إذ تكشف أن إسقاط رأس النظام لا يعني تفكيك شبكات النفوذ القديمة وأن الفوز بالانتخابات لا يكفي لإدارة مجتمع منقسم ومؤسسات متنازعة فالديمقراطية ليست مجرد آلية لاختيار الحاكم وإنما منظومة تضمن ألا يتحول الحكم إلى احتكار وألا تصبح القوة بديلا عن التنافس السياسي السلمي
أما ليبيا فتكشف الوجه الأكثر قسوة للمشكلة ذاتها فحين سقط القذافي انكشف ضعف المؤسسات التي كان يفترض أن تحمل الدولة بعد رحيله وبرزت الميليشيات والانقسامات المناطقية والتدخلات الخارجية وتتقاطع هذه التجربة مع اليمن والسودان حيث تجاوز الصراع حدود التنافس على السلطة ليهدد تماسك الدولة نفسها وإذا كانت تونس ومصر قد واجهتا صعوبة إعادة تنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع فإن ليبيا واليمن والسودان تكشف أن غياب المؤسسات القادرة على احتكار القوة المشروعة وإدارة الخلاف قد يحول الانتقال السياسي إلى صراع مسلح وهكذا يتدرج التحليل من أزمة الشرعية إلى أزمة المؤسسات وصولا إلى أزمة بقاء الدولة
وفي الجزائر تتخذ الإشكالية مسارا مختلفا إذ لم يؤد حراك فبراير 2019 إلى انهيار الدولة لكنه أعاد طرح السؤال المتعلق بمدى قدرة تغيير القيادة على تغيير منظومة الحكم فقد ارتبط عهد بوتفليقة باستعادة الاستقرار وتنفيذ مشروعات تنموية لكنه شهد أيضا فسادا وضعفا في المساءلة وتركيزا للسلطة ومع استقالته ووصول عبد المجيد تبون وطرح برامج الإصلاح بقي الجدل حول عمق التحول السياسي قائما وتضيف الجزائر إلى التجارب السابقة بعدا مهما هو أن استمرار المؤسسات لا يعني بالضرورة تجدد شرعيتها مثلما أن تجنب الانهيار لا يغني عن إصلاح العلاقة بين الدولة والمواطن
وعند جمع هذه المسارات تتضح الفكرة المركزية التي يمكن قراءة الكتاب من خلالها فالأنظمة لا تنهار لمجرد تراكم الأزمات الاقتصادية بل حين تفقد القدرة على استيعاب مطالب المجتمع وإدارة تناقضاته وحين تتحول المؤسسات إلى امتداد للسلطة بدلا من أن تكون ضامنا لاستمرار الدولة وفي المقابل تتعثر التحولات عندما ترث القوى الجديدة مؤسسات ضعيفة واقتصادات مأزومة وانقسامات لم تجد طريقها إلى التسوية ولذلك تختلف النتائج باختلاف قدرة المجتمعات على بناء التوافق وضبط القوة وتأسيس المساءلة لا بمجرد اختلاف الشعارات التي رفعتها الثورات أو أسماء الحكام الذين أطاحت بهم
وتتجلى القيمة المهنية للكتاب في أن هذا الخيط التحليلي ينبثق من تجربة صحافي اقترب من الوقائع وعاين التناقض بين الرواية الرسمية والحياة اليومية فالرقابة والتهديدات والضغوط التي يرويها خزام ليست تفاصيل عابرة في سيرته بل شواهد على طبيعة العلاقة بين السلطة والحقيقة ومع ذلك تظل الشهادة الصحافية مدخلا للفهم لا بديلا عن التحقق التاريخي وتزداد قيمتها حين نميز بين ما شاهده الكاتب وما نقله عن محاوريه وما استخلصه من أحكام فمهمة الصحافة ليست أن تقدم التاريخ في صورة يقين نهائي بل أن تكشف ما تحجبه السلطة وتمنح الوقائع سياقها الإنساني وتترك الأسئلة مفتوحة أمام البحث والمساءلة
في المحصلة لا يقدم أكرم خزام مجرد رحلة بين عواصم شهدت زلازل سياسية بل يضعنا أمام مفارقة تاريخية عميقة مفادها أن السلطة قد تمتلك أسباب البقاء الظاهر بينما تفقد مقومات الاستمرار الحقيقي وأن الشعوب قد تمتلك شجاعة التغيير دون أن تتوافر لها شروط إنجازه ومن موسكو إلى العالم العربي تتكرر الحقيقة ذاتها بأثمان متفاوتة وهي أن إسقاط الحاكم حدث سياسي أما بناء الدولة فمسؤولية تاريخية تتطلب مؤسسات عادلة ومجتمعا حرا وثقافة تقبل الاختلاف ولعل السؤال الأهم الذي يتركه الكتاب ليس لماذا سقطت تلك الأنظمة بل لماذا ظلت أسباب السقوط حاضرة بعد رحيل بعضها وكيف يمكن بناء أوطان لا يحتاج أبناؤها إلى ثورة جديدة كلما أرادوا أن يعيشوا أحرارا

