لم يعد مقبولاً أن يستيقظ الأردنيون على أخبار الاعتداء على رجال أمنهم، وأن يظل المشهد الرسمي أسير العبارات المحفوظة عن الإدانة والاستنكار والتضحية والفداء. فما شهدته قرية حمود في محافظة الكرك من اعتداء إرهابي، وما أعقبه من اعتداء في شارع المدينة المنورة بالعاصمة عمّان أودى بحياة رجل الأمن جواد علي خلف السلايطة، يعيدان إلى الواجهة سؤالاً موجعاً لا يجوز الهروب منه: إلى متى سيظل أبناء الأردن يدفعون من دمائهم ثمن الإرهاب، بينما تبقى المساءلة السياسية غائبة أو مؤجلة؟ إن دم الأردني ليس خبراً عابراً في نشرة المساء، ولا مناسبة لالتقاط الصور وإصدار البيانات، بل أمانة وطنية تستوجب كشف الحقائق ومراجعة الإجراءات ومحاسبة المقصرين إن ثبت التقصير، مهما علت مناصبهم.
إن ما جرى في قرية حمود بالكرك، ثم الاعتداء الإرهابي الذي شهدته العاصمة عمّان، يضعان الحكومة أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية لا يجوز اختزالها في بيانات الشجب والاستنكار. ورغم عدم ثبوت وجود صلة تنظيمية بين الاعتداءين، فإن تقاربهما الزمني يفرض أسئلة مشروعة حول جاهزية منظومة الوقاية من الإرهاب، ومدى الاستفادة من الحوادث السابقة، والإجراءات التي اتخذتها الجهات المختصة لحماية المواطنين ورجال الأمن. إن الإرهاب الذي يستهدف الأبرياء ورجال الأمن لا يهدد أفراداً بعينهم، بل يستهدف أمن المجتمع وهيبة الدولة واستقرار الوطن. والأردنيون الذين يعتزون بشجاعة أجهزتهم الأمنية وتضحياتها لا يطالبون بالمستحيل، وإنما يريدون إجابات واضحة عن كيفية مواجهة هذا الخطر قبل وقوع الجرائم، لا الاكتفاء بملاحقة مرتكبيها بعد سقوط الضحايا.
أما وزير الداخلية، فإن المسؤولية السياسية لا تنتظر بالضرورة حكماً قضائياً لإثبات تقصير شخصي، ولا يجوز أن تتحول الوزارة إلى موقع محصّن ضد المحاسبة كلما وقعت كارثة أمنية. ومن هذا المنطلق، فإنني أطالب برحيل وزير الداخلية فوراً، لا باعتبار استقالته إقراراً بمسؤولية جنائية أو إدارية لم تثبت، وإنما باعتبارها تحملاً للمسؤولية السياسية أمام الشعب ومؤسساته. فبعد حادثة قرية حمود وما أثارته من مخاوف، ثم الاعتداء الإرهابي في عمّان، يصبح من حق الأردنيين مساءلة الوزير عن السياسات والإجراءات الوقائية والمراجعات المؤسسية التي جرت في نطاق مسؤوليات وزارته. فالمناصب ليست امتيازات دائمة، والثقة العامة ليست شيكاً على بياض، والاستقالة في الدول التي تحترم مواطنيها قد تكون تعبيراً عن احترام المسؤولية لا اعترافاً بارتكاب جريمة. وإذا كانت الحكومة تريد إقناع الأردنيين بجدية خطابها عن المحاسبة، فعليها أن تبدأ من قمة الهرم السياسي، لا أن تترك المسؤولية كلها على أكتاف رجال الأمن في الميدان.
إن رجل الأمن الأردني الذي يسقط وهو يؤدي واجبه ليس مجرد رقم يضاف إلى سجلات الشهداء، بل هو ابن عائلة وعشيرة ووطن، خرج لحماية الناس وعاد محمولاً على أكتاف الرجال. والشهيد جواد السلايطة، ابن البادية الأردنية وابن قبيلة بني صخر الأصيلة، يمثل في تضحيته صورة من اجمل صور الانتماء والوفاء التي عرفها الأردنيون في أبنائهم من مختلف العشائر والمدن والقرى والمخيمات. لكن الوفاء للشهيد لا يكون بالكلمات وحدها، ولا بإغراق أسرته بعبارات الفخر والصبر، بل بالعمل الجاد على حماية زملائه ومنع تكرار الاعتداءات عليهم. وليس أقل خطورة من الإرهاب أن تتحول مواجهته إلى سياسة ردود أفعال تتحرك بعد سقوط الضحايا ثم تخفت مع انطفاء الكاميرات. أين المراجعات المؤسسية الجادة؟ وأين تقييم الثغرات المحتملة في منظومة الوقاية والاستجابة؟ وأين الدروس المستفادة من الاعتداءات السابقة؟ إن هذه الأسئلة لا تنتقص من تضحيات الأجهزة الأمنية، بل تضع المسؤولية في موضعها الصحيح، لأن شجاعة رجال الأمن لا تعفي القيادات السياسية من واجب التخطيط والرقابة والمحاسبة.
وأمام هذا المشهد، يقف مجلس النواب أمام اختبار حقيقي لوجوده ودوره الدستوري. فالأردنيون لا يحتاجون إلى مزيد من بيانات الشجب، ولا إلى وفود بروتوكولية تكتفي بالزيارات والتعازي والتصريحات أمام العدسات. المطلوب أن يمارس المجلس سلطاته الرقابية كاملة، وأن يستدعي رئيس الوزراء ووزير الداخلية إلى جلسة مساءلة علنية، وأن يطالب بتقرير رسمي مفصل عن الوقائع والإجراءات التي اتخذت عقب حادثة قرية حمود، وما إذا كانت قد أجريت مراجعات أمنية ومؤسسية كافية قبل الاعتداء الذي شهدته عمّان، مع مراعاة سرية التحقيقات والمعلومات الأمنية الحساسة. وإذا كشفت النتائج عن إخفاقات سياسية أو إدارية جسيمة، فعلى النواب استخدام أدواتهم الدستورية، بما فيها الاستجواب وطرح الثقة وفق الأصول. فالنائب الذي يكتفي بالتعزية حين يسقط أبناء وطنه، ويتراجع عن المساءلة حين يحين وقتها، يتخلى عن جوهر التفويض الذي منحه إياه الشعب. إن مجلس النواب ليس مؤسسة للعلاقات العامة، ولا منصة لإعادة إنتاج الخطاب الحكومي، بل سلطة دستورية يفترض أن تكون صوت المواطنين حين تتعثر الإجابات الرسمية.
إن الأردن لا يعاني نقصاً في الرجال الشجعان، ولا في الانتماء الوطني، ولا في الاستعداد للتضحية؛ لكنه يحتاج إلى ترسيخ ثقافة سياسية تعتبر المسؤولية تكليفاً خاضعاً للمحاسبة، لا حصانة تمنحها السلطة لأصحابها. وأبناء العشائر والبوادي والمدن والمخيمات الذين وقفوا في الصفوف الأولى دفاعاً عن هذا الوطن ليسوا مجرد أسماء تُتلى في بيانات النعي، بل مواطنون لهم الحق في دولة تحميهم وتحترم دماءهم. ومن قرية حمود في الكرك إلى شارع المدينة المنورة في عمّان، يجب ألا تتحول الاعتداءات الإرهابية إلى وقائع منفصلة في الذاكرة الرسمية، تنتهي بانتهاء المؤتمرات الصحفية. فالمطلوب مراجعة وطنية جادة لسياسات مكافحة الإرهاب، وتعزيز إجراءات الوقاية والحماية، وتحديد أوجه القصور إن وجدت، بعيداً عن المزايدات أو الاتهامات المسبقة. إن هيبة الدولة لا تتحقق بإسكات الأسئلة المشروعة، وإنما بقدرتها على الإجابة عنها بشفافية، ولا تُصان بالتستر على الأخطاء إن وجدت، بل بالاعتراف بها وتصحيحها ومحاسبة المسؤولين عنها.
لهذا، فإن المطالبة اليوم واضحة: رحيل وزير الداخلية سياسياً، ومساءلة حكومية جادة، ورقابة نيابية لا تعرف المجاملة، وتحقيق مهني شفاف يكشف الوقائع ويحدد المسؤوليات دون استباق لنتائجه. فالأردن أكبر من أي وزير، وهيبة الدولة لا تُصان ببقاء المسؤولين في كراسيهم، بل بقدرتها على الاعتراف بالخلل وتصحيحه ومحاسبة من يثبت تقصيره. وليعلم أصحاب القرار أن الأردنيين لا يطلبون المستحيل؛ إنهم يريدون أن يعود أبناؤهم من واجباتهم أحياء، وأن يكون لدم من يفقدونهم وزن في ميزان العدالة والمساءلة. أما أن يبقى الدم أردنياً، والحزن أردنياً، والتضحيات أردنية، بينما تظل المسؤولية السياسية بلا عنوان، فذلك ما لم يعد مقبولاً. دم الأردنيين ليس ثمناً لبقاء أي مسؤول، ومن لا يستطيع تحمل مسؤولية موقعه فعليه أن يغادره

