بين دفتي هذا السِفر الفكري العميق، الذي يقع في ٥٣٤ صفحة (الطبعة الأولى ٢٠٠٩)، يقدم لنا الكاتب والمفكر "نسيم نقولا طالب" في كتابه "البجعة السوداء: تداعيات الأحداث غير المتوقعة"، نظرية تنسف أسس التفكير التقليدي وتضع قناعاتنا في ميزان الشك المنهجي. (مفهوم البجعة السوداء: يعتمد طالب على استعارة تاريخية (أن البشر اعتقدوا أن كل البجع أبيض حتى اكتشفوا بجعاً أسود في أستراليا)).
فكرة "البجعة السوداء" تتلخص في حدث استثنائي، يقع خارج نطاق التوقعات العادية، يحمل تأثيراً بالغ العظم، والمفارقة الأكبر أن الطبيعة البشرية تسارع فور وقوعه إلى ابتكار تفسيرات تبرر حدوثه وكأنه كان متوقعاً ومحتوماً.**إن المتأمل في مسار التاريخ الحديث يدرك أن القرنين العشرين والحادي والعشرين لم يكونا سوى سلسلة من "البجعات السوداء" التي حلقت فوق رؤوسنا، فمن كان يتوقع أن رصاصة طائشة في سراييفو ستشعل الحرب العالمية الأولى وتنهي إمبراطوريات عتيدة؟، وكيف انهارت المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفيتي بتلك السرعة الدراماتيكية في أواخر الثمانينيات، رغم جيوش المحللين في وكالات الاستخبارات الغربية الذين لم يستشرفوا هذا الانهيار المدوي؟، وصولاً إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والأزمة المالية العالمية في ٢٠٠٨، وجائحة كورونا؛ أحداث غيرت مسار البشرية في حين كان خبراء الاستراتيجية يغطون في سبات التوقعات الخطية.وفي الآونة الأخيرة، تجلت "البجعة السوداء" في أبهى صورها يوم السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ في "طوفان الأقصى"، حيث انهار جدار الردع الاستخباراتي أمام حدث غير مسبوق، لم تتوقعه رادارات الكيان المحتل، مما أدخل المنطقة برمتها في مخاض تاريخي جديد.* الربيع العربي وسوريا: حين تباغت "البجعة السوداء" غرف المؤامرات:ولعل المثال الأبرز والأقرب لوجداننا، والذي يجسد هذا التزاوج المعقد والخطير بين "البجعة السوداء" و"المؤامرة"، هو ما عُرف بـ "الربيع العربي".
لقد انطلق هذا الحراك العفوي في بداياته كـ "بجعة سوداء" خالصة؛ صرخة شعبية مفاجئة وزلزال غير متوقع أطاح بأنظمة ديكتاتورية عتيدة ظنت أنها محصنة أمنياً إلى الأبد، ولم تتوقع هذا الانفجار الشعبي أعتى أجهزة المخابرات ولا مراكز الدراسات التابعة للقوى العالمية.وما إن حلّقت هذه البجعة وأحدثت ارتباكاً، حتى تحركت "حكومة العالم الخفية" والقوى الاستعمارية لـ "إدارة الفوضى واستثمارها" عبر هندسة الثورات المضادة وتأجيج الصراعات بهدف سرقة إرادة الشعوب وإعادة إنتاج أنظمة التبعية.ويتجلى هذا الصراع بأوضح صوره في المشهد السوري؛ فثورة الشعب في ٢٠١١ كانت "البجعة السوداء الأولى" التي زلزلت النظام الإقليمي. وحينها، تدخلت القوى العالمية لا لإنهائها، بل لإدارة الفوضى واستنزاف الدولة السورية والإبقاء على نظام متهالك يسهل التحكم به، لكن السقوط المدوي لنظام آل الأسد مؤخراً بعد ٥٤ عاماً من الاستبداد، جاء كـ "بجعة سوداء مرتدة" وضربة قاصمة لمهندسي الأزمات في الغرف المظلمة؛ ليثبت أن القوى الخفية قد تنجح في إطالة أمد الخراب، لكنها تعجز في النهاية أمام حتمية التاريخ وغضبة الشعوب التي تخرج من تحت الركام لتعلن نهاية الطغيان والمؤامرة معاً.* قصور الرؤية لدى النخب السياسية وقادة الرأي:إن المأساة الحقيقية تكمن في قصر نظر الساسة وقادة الرأي المحليين، واعتمادهم الأعمى على "الاستقراء التاريخي". الساسة في الغالب يتجاهلون أن التاريخ يُصنع في "عالم التطرف" حيث يمكن لحدث واحد غير مرئي أن يغير كل شيء. هذا القصور في الرؤية يجعل قادة الدول يبنون سياساتهم على سيناريوهات "متوسطة الاحتمال"، ويتجاهلون المخاطر الكامنة. إنهم يتعاطون مع الأزمات المتراكمة والظلم الاجتماعي بسياسة "الترحيل"، متناسين أن هذا الضغط هو البيئة الحاضنة والمثالية لولادة بجعة سوداء مدمرة ستنقض عليها القوى الخارجية لاحقاً.
* كيف يجب أن نستفيد من هذه الجدلية؟لكي لا نبقى أسرى لردات الفعل، يتوجب على الساسة وصناع القرار تحويل دروس هذا الكتاب إلى منهجية عمل:* - الاعتراف بالتواضع الاستراتيجي: التوقف عن الغرور المبني على "تقارير الخبراء" التي غالباً ما تخطئ في توقع التحولات الكبرى.* - بناء مؤسسات "مضادة للهشاشة": بدلاً من محاولة "توقع" الحدث المفاجئ، يجب بناء دول ومجتمعات قادرة على امتصاص الصدمات. الأنظمة الصلبة التي ترفض الإصلاح تنكسر عند أول صدمة، لتصبح فريسة سهلة للمتدخل الخارجي.* - الاستماع إلى القاع المجتمعي: غالباً ما تأتي البجعة السوداء من المناطق العمياء التي يتجاهلها النظام الرسمي، لذا وجب الخروج من "غرف الصدى" المريحة.* - عدم استبعاد المستحيل: إدراج سيناريوهات "الأسوأ" ضمن خطط الأمن القومي، لقطع الطريق على أي قوة خفية تحاول استغلال لحظة السقوط.* خلاصة القولوفي الختام، قد يبدو للوهلة الأولى أن هناك تعارضاً بين مفهوم "البجعة السوداء" المرتكز على العشوائية واللامتوقع، وبين ما أطرحه دائماً حول وجود قوى عالمية وتخطيط خفي يسعى للسيطرة على المشهد العالمي، ولكن القراءة الأعمق تثبت أن المفهومين يتكاملان في جدلية خطيرة؛ فهذه القوى الخفية لا تمتلك قدرة مطلقة على التحكم بكل متغيرات الكون أو منع انطلاق "البجعات السوداء"، بل إن دهاءها الحقيقي يكمن في استثمار هذه اللامتوقعات، فحين يقع حدث مزلزل، تسارع هذه النخب إلى استغلال حالة الصدمة لتمرير أجنداتها المعدة سلفاً.
وفي المقابل، تبقى "البجعة السوداء" سيفاً مسلطاً حتى على رقاب هؤلاء المخططين؛ فمهما أحكموا مؤامراتهم وهندسوا سياساتهم، يبقى مجرى التاريخ قادراً على إنجاب "بجعة سوداء" خالصة تطيح بكل أوراقهم، لتثبت في النهاية أن مفاجآت القدر وإرادة الشعوب الحرة قادرة دائماً على اختراق جدار أي تخطيط بشري مهما بلغ مكره ودهاؤه.

