• رئيس التحرير المسؤول .. فايز الأجراشي
  • نتقبل شكواكم و ملاحظاتكم على واتس أب و تلفون 0799545577

نص مقابلة سمير الرفاعي مع "اللويبدة"

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2022-06-05
587
نص مقابلة سمير الرفاعي مع

  تنشر 'عمون' بالتنسيق مع مجلة 'اللويبدة' النص الكامل للمقابلة مع رئيس الوزراء الأسبق، رئيس اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، سمير الرفاعي، بالاضافة إلى صفحات المجلة المتضمنة صوراً خاصة…

رابط المقابلة المباشر: http://jorday.net/media/files/issue%2064.pdf

كتب باسم سكجها

ليس هناك من سابقة مماثلة، في التاريخ السياسي الأردني: أن يكون الجدّان رئيسي وزراء، وشقيق الجدّ أيضاً، والوالد كذلك، وأن يُصبح الحفيد رئيس حكومة، وليس هذا فحسب، فهي، أيضاً، في أن تحمل التجارب الأربع عناوين جدلية، وضعت ما لها، وما عليها، في تاريخ الأردن، عبر عشرات السنوات…

نحن نتحدّث، بالطبع، عن سمير زيد سمير الرفاعي، فهو الوحيد في البلاد الذي حمل تلك الميزة التاريخية، بما فيها من نعمة، وربّما ما حملته من نقمة، فصحيح أنّ الحفيد يمرّ في سيارته في شارع يحمل إسمه/ إسم جدّه، ولعلّه يجتاز عند تقاطع طلوع جبل اللويبدة مدرسة تحمل الاسم نفسه، ولكنه يعرف، أيضاً، أنّ الجدّ تخلّى عن المنصب، مع معرفته بقرب رسوبه في امتحان التصويت النيابي على الثقة…

وصحيح، أنّه حين يجالس أحداً، في الأردن، أو خارجه، سيسمع عن أبيه، أسئلة وإجابات، وإذا قرأ أياً من كتب تاريخ الأردن المعاصر سيجد أشياء كثيرة عنه، فالرجل لم يكن عابر سبيل، ويصنّفه كثيرون باعتباره واحداً من أهم السياسيين العرب.

كلّ ذلك الصحيح صحيح، وبالضرورة، فهذا وضع مُربك، لا بدّ له أن يخلق حالة استثنائية، تبدو سهلة، ولكنّها ليست كذلك أبداً…

يجلس سمير الرفاعي، اليوم على كُرسي أعتراف “اللويبدة”، في مقابلة شاملة، ولعلّها غير مسبوقة، ليجيب على أسئلة لم تُطرح من قبل، تلك التي جعلت من معادلة تبدو معقّدة، ومتناقضة، متكاملة إلى حدّ كبير، وتؤشر إلى ما هو عليه، الآن، ضيفنا، وهو الذي يبدو وكأنّه راكم على إيجابيات الماضي، بعد أن وضع سلبياتها خلفه، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً…

* ما هي ذكرياتك عن بيت الطفولة؟ وهل ما زلت تحتفظ بأصدقاء منذ تلك الفترة؟

- بيتنا كان كأي بيت أردني، فيه والدان عطوفان. والدي كان مشغولاً جداً، والجزء الاكبر من مسؤوليات المنزل ظلّت تقع على الوالدة، لكنه كان حاضراً في حياتنا، متابعاً لكل احتياجتنا، وبالطبع كان هناك مشاكسات مع شقيقتي وأبناء العمومة والأخوال، وهناك أصدقاء من المدرسة والطفولة ما زلت على تواصل معهم.

كانت طفولة سعيدة بحمد الله، لكن للأسف تخللتها سنوات عصيبة على الوطن، ومرّت أوقات طويلة كان الوالد غائباً فيها، خاصة خلال ملازمته للمغفور له الملك الحسين خلال أحداث الأمن الداخلي، وما زلت اذكر الرصاص الذي استهدف منزلنا، واستبسال رجال الجيش العربي في الدفاع عن كل شبر من الوطن.

* من كان الاقرب لك الوالد ام الوالدة؟

- كلاهما كانا وما زالا قريبين من القلب والروح، ولكلّ منهما الأثر الخاص في حياتي. فالوالدة علمتنا العطف والمحبة وتحمل المسؤولية، والوالد علمنا معنى الالتزام، وأهمية الواجب.

* ماذا عن المدرسة الأولى، والتدرج في المدارس؟ هل شعرت بمعاملة تفضيلية عن الاخرين؟

- درست، بداية، في المدرسة الوطنية الأرثوذكسية في عمان، ولها ذكريات قريبة من النفس، وفيها بدايات تكوين شخصيتي وصداقات حميمة ما زال كثير منها قائما، ثم التحقت بأكاديمية ديرفيلد في الولايات المتحدة.

وكلتاهما من المدارس المعروفة بالصرامة، فلم أحظ بأي معاملة تفضيلية بالتأكيد، بل ربما وعلى عادة الأردنيين، كان المدرسون في الوطنية الارثوذكسية أكثر تشددا معي ،حتى لا يقال أنه يحابونني بسبب أسرتي.

وما زلت أذكر بعض الأساتذة الذين أحترمهم وأجلهم، وكانوا من المعروفين بالشدة والصرامة، وأحسب لهم ألف حساب!

* لديكم مكتبة كبيرة في البيت، هل كنت تقرأ منها؟ متى بدأت متابعة الاخبار في الصحف، ووسائل الاعلام؟

- القراءة كانت رفيقتي منذ الطفولة، ففي أيامنا لم يكن هناك انترنت وأجهزة حديثة، وطوال سنوات كان التلفزيون شيئاً نادراً وساعات بثه قليلة، فكان الكتاب رفيقاً للجميع، وقد ظل كذلك، وأحتفظ في منزلي بمكتبة قد لا توصف بالكبيرة، لكنها غنية ومتنوعة، وما زلت أحرص على متابعة الكتب الصادرة حديثا في عدد من الاهتمامات.

أما متابعة الأخبار، وكما قلت لك، فقد نشأت في بيت سياسي يهتم كل أفراده بالأخبار العامة، وأيضاً نشأت في فترة شهدت الكثير من الاضطرابات والتغيرات في تاريخ الوطن والعالم، وهذا بالطبع فرض مزيداً من الاهتمام بالأخبار، والشؤون العامة.

* متى تعتقد أن تكوينك السياسي قد بدأ في التشكّل، وهل ترى أنه كان قدراً لا مفر منه؟

- لا أظن أن إهتمام أي شاب أو شابة في مسار الحياة هو قدر تحتمه أسرته، خاصة في الأسر التي تؤمن بمنح أبنائها حرية الاختيار، لكن الإرث العائلي لأي بيت يترك تأثيره القوي والمباشر على الأبناء، فتجد أن أبناء الطبيب أطباء، وكذلك مع المهندسين وغيرهم، بل حتى في المهن الإبداعية مثل الصحافة والأدب، تجد أنّ الأبناء يسيرون على نهج أبائهم، وربما أن ذلك ما حدث معي، ومنذ نعومة أظفاري.

كانت حياتي درساً مفتوحاً في السياسة والشأن العام، وكان الشأن السياسي هو الطاغي في منزلنا، وهو الحديث الرئيسي على مائدة الطعام، وفي الجلسات، وحتى عندما كنتُ أجلس مع والدي خلال استقبال الضيوف، كانت السياسة والشأن العام هما الحديث الرئيس.

* هل كان هناك ما يؤشر من تربية والدك لك بأنه كان يريد لك المضي في مسيرة العائلة وإرثها، أم أنه كان يفضل لك مسيرة مختلفة؟

- الوالد ترك لنا حرية الاختيار، ولا أتذكر انه أجبرني أو شقيقتي على أي أمر، لكنه كان ينصح ويوجّه، وظلّ يعلمنا دائما معاني الوفاء والاخلاص والولاء، وأنه أيّما كانت وجهتنا، وأياً كانت خياراتنا، فإن بوصلتنا يجب أن تكون هي خدمة الوطن وقضاياه.

* ماذا درست في الجامعة؟ وماذا تحتفظ من ذكريات منها؟

- أحمل شهادة البكالوريوس في دراسات الشرق الأوسط كتخصص رئيسي، والاقتصاد كتخصص فرعي، من جامعة هارفرد في الولايات المتحدة، وشهادة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة كامبريدج في المملكة المتحدة، وسنوات الجامعة هي سنوات هامة في حياة أي شاب، لكن قد يكون أكثر ما علق في ذهني منها بعد هذه السنوات، هو أسلوب الاساتذة في التعليم، والحرص الشديد على البحث العلمي واحترام آراء الطلبة، ودفعهم إلى إعمال عقولهم وبذل الجهد للحصول على المعلومة من مصادرها المختلفة، وكان لهذا الأمر دور وأثر كبير في تحديد أسلوب حياتي وعملي في ما تلا ذلك.

* ما هي الوظيفة الاولى التي توليتها بعد تخرجك من الجامعة، وكيف تدرّجت في الوظائف والمواقع، وهل ساعدتك هذه كلها على انتاج تكوينك السياسي، ووجهة نظرك في اداء المؤسسات؟

- عينت في العام 1988 مساعداً لرئيس التشريفات في الديوان الملكي الهاشمي، وانتدبت إلى مكتب سيدي صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال المعظم، ولي العهد آنذاك؛ وقد تدرجت حتى صرت مديراً للمكتب الخاص لسموه، ثم شرفني جلالة الملك عبدالله الثاني بتعييني أميناً عاماً للديوان الملكي الهاشمي في عام 1999 ، وهناك أشرفت على برنامج ضخم لإعادة الهيكلة الإدارية والمالية في الديوان، وقد اكتسبت خبرة كبيرة من هذه الوظيفة ذات الاحتكاك المباشر بالناس واحتياجاتهم.

ثم، عينت مستشاراً لجلالة الملك برتبة وزير، بالاضافة إلى مهمتي كأمين عام للديوان الملكي الهاشمي، ومسؤول عن الإعلام والعلاقات العامة الخاصة بجلالة الملك عبد الله الثاني المعظم. وفي عام 2003 عينت وزيراً للبلاط الملكي الهاشمي حتى العام 2005.

وخلال هذه المدة شغلت أيضاً بعض المهام والعضويات مثل: رئيس لجنة تشجيع الاستثمار في الديوان الملكي الهاشمي، ورئيس اللجنة التحضيرية لرسالة عمان، وعضو لجنة متابعة حوار الأديان، وعضو اللجنة التوجيهية العليا لعملية السلام، وعضو مجلس إدارة جائزة الملك عبدالله الثاني لتميز الأداء الحكومي والشفافية في القطاع العام.

وقد كانت هذه مجموعة واسعة من المهام، التي تميزت، بحمد الله، بطيف واسع ومتنوع من الخبرات والمدارك والتعاطي مع الناس، ومع عملية صنع القرار، وقد أضاف كل منها قيمة هامة في تكويني.

* قضيت سنوات طوالاً مكتب سمو الأمير الحسن، ماذا قدمت تلك التجربة لك؟

- كل من عمل في مكتب سمو الامير الحسن سيخبرك أنها تجربة فريدة، فسموه لا يهدأ.

يبدأ العمل منذ أول ساعات النهار، ولا يتوقف حتى ساعات متأخرة من الليل، شديد الدقة والاهتمام بالتفاصيل، شمولي في العمل والاهتمامات، وهو أطال الله عمره بيت للحكمة والخبرة في مختلف الشؤون.

وهو مثابر ومتابع، ومثال حي للولاء المطلق والحب الخالص للوطن والقيادة والعرش، وهذا ينعكس على أداء كل من عمل بمعية سموه.

* حضرت لقاء جلالة الراحل الحسين مع سمو الامير الحسن في لندن قبيل عودة الحسين الى عمان، واجرائه التغييرات الدستورية في ولاية العهد، هل لنا ان نعرف بعض التفاصيل؟

- لا، لا أستطيع مشاركة أي من هذه التفاصيل، فهي، مع كل ما رأيت وسمعت خلال سنوات خدمتي، أشعر أنّها حق خالص لأفراد الأسرة الهاشمية، يتحدثون فيه وعنه إن شاؤوا، وهو ليس حقا لي أبداً.

* هل هناك من ذكريات خاصة عن الايام الصعبة الاخيرة من حياة الراحل الحسين؟
كيف تلقيت خبر الوفاة، علما بان والدك كان رئيس مجلس الامة وأدمع على الملأ مع إعلانه عن النبأ الحزين؟

- بالطبع كانت أياماً صعبة، بل عصيبة على كل أردني، وقد كان خبر الوفاة صاعقاً على المستويين العام والخاص، لقد فقد كل بيت أردني أباً ًفي ذلك اليوم، فالمغفور له الحسين كان ملكا وقائدا وأباً، وبالنسبة لوالدي فإنه في ذلك اليوم قد فقد أباً، وأخاً كبيراً، ومرشداً ناصحاً، وصديق طفولة، وما زال يقول: لم أكن أبداً أتخيل أن يأتي علينا يوم ندفن فيه الحسين، بل كنت أتمنى أن يطيل الله في عمره حتى يدفننا هو.

* هل تتذكر اول مرة التقيت بها مع جلالة سيدنا عبدالله، في الطفولة أو الصبا، وكيف تشكلت بينكما كيمياء صداقة؟

- ترجع علاقتي بجلالة سيدنا الملك عبدالله الثاني حفظه الله الى سنوات طويلة، منذ سنوات الطفولة والشباب، واستمرت بعدها طوال سنوات خدمتي في الديوان الملكي، وقد كان جلالته دائم التردد على الديوان الملكي، وكان يرافق جلالة الملك الحسين وسمو الامير الحسن في كثير من الجولات والمهام والأسفار.

* كيف كنت ترى شخصية سيدنا عبدالله، خلال السنوات، وهل مرّ في ذهنك أنه سيعود إلى ولاية العهد؟

- جلالة سيدنا، حفظه الله، سمو الأمير آنذاك، طال ما اتسم بصفات قيادية واضحة، وهو ما يمكن أن يخبرك به كل من عمل بمعيته في القوات المسلحة، ومع هذه الصفات القيادية، التي تحتاج الحسم والصرامة، فقد كان وما زال عطوفاً متسامحاً قريباً من القلب.

وكان، حفظه الله شديد الجدية في حياته العسكرية، وظلّ يقضي معظم وقته بين الجند في خو وغيرها من المعسكرات، وعندما يرافق جلالة الحسين، أو سمو الأمير الحسن، ويتفاعل ويتحدث معهما، كان واضحاً جدا أنه، ومثل جميع الهاشميين، ملتزم بالرسالة النبيلة لأسرته، غير آبه بالمناصب والمواقع، ويتجلى ذلك في أنه ورغم أنه الابن الأكبر، وتمت تسميته وليا للعهد عند ولادته، ثم انتقل اللقب الى سمو الأمير الحسن طوال 34 سنة، لم أشعر أبداً أنه فكر في هذا الأمر، وكذلك الحال مع سمو الأمير الحسن عند انتقال ولاية العهد، فقد أطاع قرار ولي الأمر.

أما مسألة ولاية العهد، فلم أكن أفكر فيها، بأي اتجاه كان، فنحن في دولة دستورية نظامها ملكي، والأمر في هذه المسألة يظل حقاً مطلقا لجلالة الملك الذي يختار الأصلح لشعبه.

* كنت من اوائل تعيينات جلالة سيدنا، وظللت في معيته سنوات، ماذا تقول عنه سياسياً وانسانيا، حَدّثنا أكثر عن ذلك؟

- سياسياً، يتسم جلالته ببعد نظر كبير، ورثه عن الحسين رحمه الله، ويتذكر الجميع دقة توقعاته لكثير مما دار في المنطقة؛

إن ما اكتسبه جلالة الملك من خبرة خلال مرافقته للملك الحسين رحمه الله، ثم من سنوات خبرته الطويلة، قد أكسبته حكمة سياسية قل نظيرها، وجعلته صوتا للعقل والحكمة والتسامح عالميا.

أما على الصعيد الانساني، فكما قلت لك، فهو من أكثر الناس تسامحاً ومحبة وقرباً من القلب، وهو غاية في اللطف، وصبور جداً جداً، يهتم بكل من حوله، ويحرص أن يكون الجميع سعداء ومرتاحين، حتى لو كان ذلك على حساب راحته، وما جولاته في كل بقاع الوطن، وزياراته وتفقده لأصغر المواقع وأبعدها إلا خير دليل على ذلك.

* قبل الحديث عن تجربتك في رئاسة الحكومة، نحبّ أن نعرف عن عملك في القطاع الخاص؟

- بشكل عام، تجربة العمل في القطاع الخاص كانت مختلفة جداً عن العمل في القطاع العام، وقد رأيت من خلالها منظوراً مختلفا للعمل، وتعرفت على سبب شكوى العاملين في القطاع الخاص من البيروقراطية غير الضرورية، وقد حاولت كثيرا أن أحل هذه المسألة لإيماني بأن القطاع الخاص يجب أن يكون أكبر مشغل في السوق الأردني، وأن يأخذ فرصته لينمو، ويأخذ دوره الكامل في تحريك الدورة الاقتصادية.

يجب أن نتذكر دائماً أن القطاع الخاص ليس غريباً عن المجتمع، فلا هو عدو المواطن، ولا هو طبقة الأثرياء “والحيتان”.

أساس القطاع الخاص: أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، من صاحب البقالة في الحي السكني، إلى صاحب المصنع والمشغل في المناطق الصناعية، وهؤلاء من يشغلون أبناءنا، وهذا القطاع هو من يحافظ على الدورة الطبيعية للدينار التي تتحرك في يد المواطن والقطاع الخاص، وتحقق فائدة حوالي 7 أضعاف ما تحققه الحكومات، والقطاع العام.

* لم يكن أحد يتوقع أن يأتي ما سمّي بالربيع العربي، وبتلك السرعة، ولعلّ من سوء طالع حكومتك الثانية أنّها جاءت في ذلك المحيط المتلاطم الامواج في العالم العربي، وفي كلّ التحليلات فقد كنت ضحية لها على المستوى المحلي، هل تعتبر أنه كان لديك خطة محكمة أجهضت لسبب تلك الظروف؟

- عندما وصلت عدوى الربيع العربي إلى الأردن، كانت بتأثير مما يجري في الإقليم، والذي شجعته قوى إقليمية ودولية مختلفة، ولم تكن التظاهرات التي انطلقت في عمان ضد شخص رئيس الحكومة أو وزرائه أو نهج حكومته، بل كانت تظاهرات متعددة بين مطالب مهنية وأخرى سياسية ذات سقوف مرتفعة، وصبت كلها في خانة ضرورة إجراء تغييرات تمتص جزءاً من الموجة الأولى لما يسمى بالربيع العربي.

لكن الطبيعي أن يكون غضب الناس موجهاً للحكومة ورئيسها، وواجب الحكومة أن تتلقاه، وهذا هو الموقع والدور الطبيعي للحكومات، فامتصاص الغضب، وتلقي الصدمات، وتحملها، جزء مهم من واجبات الحكومة.

أما ذلك التغيير، فكان سيحدث بغض النظر عن شخص رئيس الوزراء في ذلك التوقيت.

وبالنسبة للحكومة، التي تشرفت برئاستها، فقد امتلكت برنامج عمل (خطة تنفيذية) منهجية ومعلنة، ورغم أنها لم تكمل الفترة التي كانت موضوعة للخطة، إلا أنها تمكنت من عدة أمور منها:

- خفض المديونية بمقدار 500 مليون دينار (750 مليون دولار)

- اجراء اول رفع لرواتب القطاع العام (المدنيين والعسكريين) العاملين والمتقاعدين منذ 20 عاما

- تخفيض الضرائب ما انعكس ايجابا على مؤشرات الاقتصاد وارقام التشغيل وعوائد الخزينة

* هل ورد في ذهنك، حينها، أنّ حادثة حرق البوسعيدي نفسه في تونس. سيكون لها هذه التداعيات على مستوى الوطن العربي؟

- كما قلت لك، فإن الأمر برأيي كان فيه دور لقوى إقليمية ودولية، وهذا ما ظل يتكشف عاما ًبعد عام، لكنني لا أظن أنّ أحداً كان يتوقع أن حادثة البوسعيدي، رحمه الله، كانت ستنتج عنها كل هذه النتائج، خاصة في دولة مثل تونس، التي كانت معروفة باستقرارها سياسيا واقتصاديا.

* بصراحة، هل كنت ستختار نفس تشكيلة الفريق الوزاري، وهل كانت هناك من تداخلات ضاغطة عليك؟

- لقد سُئلت هذا السؤال مرات عديدة، والواقع أنني أجيب عليه في كل مرة، لكنني تجاوزت تلك المرحلة، ولا أحمل أي ندم بشأنها.
ودائما أقول إنه مع كل الاحترام والتقدير لكل الاشخاص الذين زاملوني في مجلس الوزراء آنذاك، لكن بعد تلك الخبرة، والسنوات التي مرت، قد لا أعيد اختيار تشكيلة ركزت على الشخصيات التي تعرف بالتكنوقراط، ففي بلدنا ما زال هناك ضرورة للوزير السياسي.

أما الحديث عن الضغوطات، فإنني لا أؤمن به، فجلالة سيدنا عندما يكلف رئيساً للوزراء يمنحه مطلق الحرية للتنسيب بمن يشاء، وإن كان هناك إستثناءات فهي تكون عادة لوزراء يحملون حقائب أو مشاريع عابرة للحكومات، أو يعملون بشكل مباشر مع جلالة الملك، وأستغرب جداً عندما تنتشر شائعات أو أقاويل عن أن جلالة الملك يريد فلاناً أو علاناً في الحكومة.

* بصراحة، هل تمّ دعمك من دوائر نافذة للوصول إلى رقم ثقة النواب ١١١ صوتاً؟

- لا، أبداً، لكنني وطاقم الحكومة حرصنا على التواصل مع النواب وشرح خططنا وبرامجنا لهم.

واذا استعرضنا نسب الثقة التي تحصل عليها الحكومات الأردنية، التي تصادف تكليفها مع غياب أو مقاطعة لممثلين عن المعارضة، وخاصة حزب جبهة العمل الإسلامي، نجد أن النسب تتقارب، فهناك حكومات حصلت على ثقة 64 صوتاً من أصل 80 و66 صوتاً من أصل 80، ورغم اختلاف الارقام، لكن النسب متقاربة.

الأهم من ذلك، أن أرقام الثقة العالية تشكل حملاً أثقل على كاهل الحكومة، فالحكومة تحصل على الثقة بناء على برنامج عمل، وكلما كانت أرقام الثقة أعلى فهذا يعني عددا أكبر من من النواب الذين سيحاسبونها بصورة أشد، واذا حصلت حكومة على أرقام ثقة عالية ولم تنجز برنامجها يكون فشلها أكبر وأشد.

هنا تكمن إحدى صور أهمية التحديث السياسي، الذي نحن بصدده، فعندما تكون هناك حكومة برامجية، أمام برلمان حزبي وبرامجي تصبح الشفافية والمسؤولية أعلى، فالنائب سيحاسب الحكومة بدقة على برنامجها، وما لم تنجزه منه، والناخب سيحاسب ممثليه على برامجهم، وعلى منح أو حجب الثقة عن الحكومات.

* إذن، هل فوجئت بتغيير حكومتك، وكيف ترى رسالة الردّ الملكي الحميمة على استقالتك؟

- لم تكن هناك أي مفاجآت، فقد شعرت أن من واجبي الاستقالة، وكما قلت لك سابقاً، فالظرف استدعى التغيير لامتصاص جزء من الموجة الأولى مما عرف بالربيع العربي، وذلك كان سيحدث بغض النظر عن الشخص الذي يتولى المسؤولية في ذلك الوقت

أكرمني جلالة الملك بتكليفي برئاسة الحكومة، كما أكرمني عند قبول استقالتها.

وقد أشار جلالته بصراحة إلى منجزات تلك الحكومة، على مستوى الحد من عجز الموازنة، والسياسات المالية والخطط الواضحة والبرامجية ومكافحة الفساد وإجراء الانتخابات النيابية وغيرها، في كتاب قبول الاستقالة الذي وجهه جلالته للحكومة.

* بعد التغيير، أخذتَ منحى آخر في التعامل مع المجتمع الاردني، بحيث زرت تقريباً كلّ الجغرافيا المحلية، وتحاورت مع نشاطاتها، ماذا علمتك تلك التجربة، وماذا كانت أسبابها أصلاً؟

- أولاً، كنت أشرت إلى أنّ عملي في الديوان الملكي الهاشمي، ومن بعده في الحكومة، منحني فرصة زيارة مختلف بقاع الوطن والوقوف على أجزاء من واقعها، لكن العمل لا يمنح أي شخص الوقت الكافي ليتمتع بالنظرة الشمولية التي تحتاجها الامور.

سُنحت لي فُرصة كبيرة في فترة ما بعد الحكومة، لأقوم بذلك، وأظن نني زرت كل قرى ومدن وبلدات الاردن تقريباً، والتقيت بالناس من جميع المشارب والخلفيات، وقد خرجت بقناعة هي أن الأردنيين جميعاً منفتحون على الحوار والنقاش، والناس في مناطقهم أدرى باحتياجاتهم، والأهم من ذلك أن النخب الحقيقية هي هناك في المدن والقرى، وليست في صالونات عمان الغربية، وبين من ندعوهم نخبها.

* حظيت بتقدير عال من الشباب الاردني، حتى وأنت رئيس للوزراء، ما هو السبب في اعتقادك؟ وهل تعتقد بأنّك ما زلت تحظى بذلك التقدير؟

- الحمد لله، ولا أدعي أنني حظيت بهذا التقدير، لكن بحمد الله فهذا ما أسمعه من الناس، وما أراه من تصرفات الشباب وتفاعلهم، وأرجو من الله أنه باق ومستمر.

ولعل ذلك لأنني عندما كلفت برئاسة الحكومة كنت الاقرب عمرياً إلى فئة الشباب، رغم أنني من ناحية إحصائية كنت أكبر سناً من حوالي 87% من الأردنيين، وقد حرصت على ان يكون جزء كبير من كادر العمل من الشباب، فأنا مؤمن، أشد الايمان، بالشباب وبقدرتهم، وبأنهم الأدرى باحتياجاتهم وصناعة المستقبل الذي يريدون لأنفسهم وللوطن.

وقد رأيت ذلك بصورة أوضح خلال فترة عمل اللجنة الملكية، ورأيت ما يتمتع به شبابنا من حنكة ودراية ومعرفة، ولا أتحدث فقط عن الشباب من أعضاء اللجنة، بل كل الشباب الذين التقيناهم خلال مئات اللقاءات التي طفنا خلالها مختلف بقاع الوطن.

أنا مؤمن بأن كل ما نقوم به، وأي قرار يتخذه أي مسؤول، يجب أن يكون الشباب جزءا منه، وحاضرين عند التفكير في تفاصيله، فدورهم محوري اليوم، وكل ما نقوم به اليوم سينعكس عليهم وعلى مستقبلهم ومستقبل أبنائهم غداً.

لذلك فقد زرت العديد من الجامعات خلال فترة حكومتي، كما التقيت الشباب في مختلف المواقع لتشجيعهم على المشاركة في الانتخابات في حينها، وحرصت على أن أكون حاضراً في قنوات التواصل التي يستخدمونها مثل “تويتر” وغيرها من المواقع، وكما أنني حريص على أن أعامل أبنائي على أنهم أصدقائي.

أنصح الجميع أن يعاملوا الشباب بذات الطريقة، ويستمعوا لهم، ويتعلموا منهم، فهم الأدرى بهذا العصر ووسائله واحتياجاتهم فيه.

* بين خروجك من الدوار الرابع، ورئاستك اللجنة الملكية، مرّت ستّ حكومات، كيف ترى أداءها؟

- لا اصدق أبداً أن هناك أي رئيس وزراء لا يريد لحكومته النجاح، ولا يريد للوطن التقدم، جميعنا، وأشمل نفسي، بذلنا كل ما نستطيع، واجتهدنا، فنصيب أحياناً، ونخطئ أحياناًً، وكما أن جميع الحكومات متكافلة متضامنة في المسؤولية، وعند الاخطاء، فهي كذلك في ما تنجح في أدائه.

لا أنكر أننا نعاني واقعاً اإقتصادياً صعبا، وهناك قرارات وسياسات سببت اشكالات تراكمية وطويلة الأمد، وتحتاج الى حلول جذرية وسريعة، لكن لا يمكن تحميل ذلك لشخص أو اشخاص بعينهم، بل هي مسؤولية تراكمية مشتركة، لذلك يجب أن نعمل جميعا في الوطن على حلها بتشاركية.

والأهم: أن هناك فرقا بين نجاح الحكومة، ونجاح الوطن، فهناك حكومات تسلك طريق الشعبوية، فتتخذ قرارات تخدمها مرحلياً، وتنال عليها التصفيق، لكنها تضرّ بالوطن على المدى الطويل، فتجدها مثلا تنفق مبالغ كبيرة على ما لا يلزم حقاً، لكنه سيعجب الناس في حينه، وتجبن عن اتخاذ قرارات، قد لا تأتي لها بالثناء لكنها تخدم الوطن.

* ثارت اسئلة كثيرة حول تشكيل اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، هل لنا أن نعرف عن الطريقة التي تمّت بها؟

- تم تشكيل اللجنة بإرادة ملكية سامية، وكحال جميع اللجان والتشكيلات المشابهة، يسبق صدور الإرادة السامية مرحلة طويلة من المشاورات، التي يجريها عادة مستشارو جلالة الملك والكوادر المتخصصة في الديوان الملكي، وهم على درجة عالية من الحرص والمسؤولية، وبالتأكيد، فقد استشاروا أصحاب الرأي في هذا المجال، وهو ما انعكس بوضوح في تركيبة اللجنة، التي جاءت شاملة لجميع الأطياف والمشارب الفكرية والسياسية، ومن جميع مناطق المملكة.

* إذن، وقد ضمّت اللجنة كافة التيارات السياسية الأردنية، وهذا باعتراف الأغلبية، هل شكّل هذا تحدياً خلال إدارة الجلسات، خصوصاً وأنّ الكثير من هؤلاء يحملون وجهات نظر متناقضة؟

- في البداية نعم، وقد كان ذلك هو المتوقع والمطلوب، لكن مع تتالي اللقاءات والحوارات، وكانت كثيرة، أصبح هناك مع الوقت لغة مشتركة بين الجميع، خففت من حدة الصدامات والمشاحنات، لكنها أبدا لم تشكل تنازلاً عن أي قناعات ومبادئ عند أحد.

كانت النتيجة أن جميع قرارات اللجنة صدرت بالتوافق مع الاحترام الكامل لرأي المخالفين، ولعل ما زاد الأمر صعوبة علينا جميعاً، وأشعرنا بثقل المسؤولية، أن جلالة الملك قد ضمن مخرجات اللجنة منذ لحظة التشكيل، وأمر بعدم السماح بأي تدخل في شؤونها، وأن يتم اتخاذ القرارات بالإجماع، ليكون لدينا قاعدة قوية نبني عليها مستقبلا.

* هل تفكر بتأسيس حزب سياسي أو الانضمام إلى حزب موجود، باعتبار أنّ ذلك هو الأساس المقبل للعمل السياسي؟

- لا، لأنني أعتقد أن مسؤوليتي الأخلاقية كشخص، تم تكليفه برئاسة هذه اللجنة، والحفاظ على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية بأمر من جلالة الملك، تعني البقاء على مسافة واحدة من الجميع، وعدم الانخراط بأي حزب قائم أو جديد أو تأسيس حزب، وأن احتفظ بآرائي وقناعاتي الشخصية في ما يخص الأحزاب المختلفة لنفسي، وقد شهد الحزبيون وأعضاء اللجنة على ذلك، وهو أمر في غاية الصعوبة، خاصة عندما تحاول اقناع الناس بأهمية الاحزاب وضرورة الانضمام إليها.

وهذه لم تكن أول مرة، فعندما كلفت برئاسة الحكومة، وضعنا مدونات سلوك تحتم على كل وزير أن لا يعمل في مجال اختصاص وزارته لمدة سنتين، بعد خروجه من الموقع، ما يعني أن رئيس الوزراء لا يمكنه العمل نهائيا لمدة سنتين بعد حكومته، وقد كان ذلك أمراً صعباً، لكنها المسؤولية الأخلاقية التي يتحتم علينا جميعا احترامها.

* كيف ترى شكل مجلس النواب المقبل، في ضوء القانونين الجديدين، وهل من الممكن أن يواجه هذا التحديث المتدرج بمعوقات حقيقية؟

- لا أستطيع أن أجزم بشكل المجلس القادم، لكن أتمنى أن يكون مجلساً فيه تمثيل كبير وحقيقي لأحزاب تملك برامج واقعية وتستطيع أن تستقطب المزيد من النواب المستقلين تحت القبة لكتلها وتحالفاتها وتشكل قوة ضغط حقيقي تؤدي وظيفتها التشريعية والرقابية على أحسن وجه، وتخدم الوطن والمواطن كما ينبغي، وهو ما سيخدم هذه الأحزاب ويوسع قاعدتها الشعبية ويعزز قناعة الناس بها.

هذه الأمور كلها اليوم بيد الأحزاب والناس، فجلالة سيدنا وضع الأوراق النقاشية، وأطلق عملية التحديث، وضمن مخرجات اللجنة، وقد اجتازت بحمد الله جميع مراحلها الدستورية، وتبقى المسؤولية الآن على الإرادة الشعبية.

اما عن التحديات، فهي أمر طبيعي في أي مسيرة، لذلك جاءت خطة التحديث متدرجة، وتمتد على أكثر من 10 سنوات، لتتجاوز أي تحديات بهدوء وروية، دون قفزات في الهواء أو صدامات.

* سؤال أخير عن العلاقات الأردنية الفلسطينية المستقبلية... كيف تراها في ضوء ما تفعله إسرائيل؟

- العلاقة الاردنية الفلسطينية تاريخية ومحورية ولا فكاك لها، ونتمنى أن نشهد تطوراً وتحركاً في عملية السلام يفضي الى حل الدولتين وحصول الفلسطينيين على دولتهم المستقلة ذات السيادة، وعاصمتها القدس الشرقية.

قيام الدولة الفلسطينية المستقلة والمستقرة هي مصلحة استراتيجية أردنية، وجزء من أمن الأردن القومي، وسنظل نعمل ونسعى حتى تحقيقه، لأن وجود دولة فلسطينية مستقرة غرب نهر الاردن يعني مزيداً من الاستقرار للأردن، لذلك فهي مهمة للأردن بقدر ما هي مهمة للفلسطينيين.

أما عن الجانب الاسرائيلي، فنحن نتعامل معه كخصم، صحيح أنه تربطنا بهم معاهدة سلام، لكننا نستخدمها كوسيلة ضغط سواء على الاسرائيليين أو بقية الشركاء الدوليين سعياً للوصول إلى تحقيق الدولة الفلسطينية غرب النهر، والتي هي هدف استراتيجي أردني كما أشرت.

وذلك على الرغم من أن الواقع الراهن لا يشير إلى تعاون أو انفتاح من الجانب الاسرائيلي على عملية السلام، بل على العكس يزداد الاسرائيليون تعنتاً وتعصباً وعنفاً، لكن السياسة والدبلوماسية تظل تحتمل التغيرات، وتحمل المفاجآت.

 

 

.


 

نقلا عن عمون

 

أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.